160×600 Left
160×600 Left

بكلمات مؤثرة.. محمد قاسمي ينعي وفاة أحد قيدومي ومقدمي الزاوية الدرقاوية الشاذلية بفاس

علاش تيفي -محمد قاسمي

في يوم وداع رجل من جيل الرجال

عندما يرحل العظماء تنفطر لذهابهم القلوب، لكونهم صمام أمن قيمها ومبادئها التي ترتفع بها إلى مصاف الأمم الخالدة ذات الإسهامات الكبرى في حياة البشرية، عندما يرحل العظماء تنقص الأرض من أطرافها، وتنطفئ منارة كبرى كانت ترسل إشعاعات خيرها ونورها في الكون…

الراحل مولاي المهدي الوكيلي أحد هؤلاء العظماء، رجل ليس ككل الرجال، ورمز ليس ككل الرموز، ومقدما لن يعيده الزمان ، لم يكن رجلا عاديا أو شخصا عابرا فما تركه الرجل الفذّ بين دفتي كتاب حياته الذي تتقاطر من صفحاته المضيئة كل صور العطاء والتربية، يضعه -حتما ودون جدال- في جوار النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين …

أقف اليوم بمشاعر عميقة تشتعل فيها الحسرة والألم والحزن في وداع رجل تربيت في أحضانه، وقضيت معه أجمل وأزهر مراحل حياتي، رجل بأمة رجل أحيا جيلا كادت أن تفترسه وحوش زمن التبعية والهوان والردة عن المبادئ الناصعة والمعاني الجميلة، قامة كبرى أفنى حياته في سبيل نصرة دينه ودعوته وما يؤمن به ويعتقده، وأعطى الطريقة الشاذلية الدرقاوية العلاوية الكثير الكثير …

حين نتحدث عن علاقة مولاي المهدي “المقدم الأصل” بالزاوية “الأصل” نتحدث عن علاقة لا انفصام لها، وحالة من حالات التجذر مهما بلغ الثمن ومهما كانت الظروف، رجل رباني عاشت الطريقة في روحه وعقله ووجدانه، فكان لها سندا وداعما وظهيرا ونصيرا أينما حل أو ارتحل لم تصرفه تحديات الواقع القاسية يومًا…، رغم كثافة التشابكات والتعقيدات والخلافات الكبيرة التي لفّت الزاوية المبتلاة…

ما زلت أذكر وأنا طفل صغير كيف كان الرجل يحدثني بلغة الكبار وأحيانا بلغة الصغار رحمة بسني، حيث كان جمع كبير من الأحباب والأصدقاء يلتفون حول الرجل حينذاك ولاسيما إخواني يوسف الضبشي وأناس السمسار، ورضوان وخالد خزيبة وعبد الإله “شافاه الله وعافاه”، والشريف الوزاني والفقير بنعيسى رحمة الله عليه وسيدي محمد البخاري، ومحسن دعيكل “صديق الطفولة”، وغيرهم كثير لو أردت ذكر كل واحد باسمه لما أنهيت منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومنهم من بدل وغير… ولعلي أعترف أنني ضمن الأخيرة..

كانت مجالسنا ولقيانا لقيا ذكر ومذاكرة ولحضور مولاي المهدي على وجه الخصوص في تلك المجالس إمتاعا ومؤانسة وتفويجا لا مثيل له ولا يعوض، طالما علمنا رحمة الله عليه أن العلم في الصدور وأن الحكمة في جعل الحكمة سيدا للمقال والمقام لا في التباهي، لم يكن يهويه كرسي أو يغويه ضوء عابر كان المثال لرجل الصلاح نعم المربي ونعم الأستاذ ونعم المقدم القائد الذي يجمع ولا يفرق ..

اليوم تفتقد الزاوية الأصل التي في قلوب الكثيرين “المقدم الأصل” الذي طالم بقي مقدما في قلوب الجميع حينا من الدهر، وزرع بذرة الخير في جيل كبير بالمفهوم الحقيقي وليس بالمفهوم الزائف، رحل مولاي المهدي وغاب عن مشهد الحياة بصمت، وانطوت صفحة جسده، لكن فكره المبثوث ما زال متأججا يافعا يحمل تلكم المعاني الخالدة في جيل كبير تفرقت بهم السبل وباعدت بينهم الأقطار ولكن لازالو أوفياء لنقاء وصفاء الفكرة الأولى التي لا تموت …

رحمك الله مولاي المهدي وطبت حيا وميتا ..

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد