هل يمكن أن تغلق الغرفة 101 ويعيش شعب الرجاء؟

لغز "الغرفة 101"

بقلـم: محمد القـاسمي

أثبت جمهور الرجاء العالمي ارتباطه بالشعب المغربي وأننا أمام حركة مجتمعية واعية غير مسبوقة ومثقفة تدرك مايجري هنا وهناك، تيفو “الغرفة 101” الذي يحيل على رواية الكاتب البريطاني جورج أورويل التي تحمل عنوان “1984”، حيث يتم استجواب وينستون وتعذيبه حتى يفقد كل ما يحبه ويتعلم التنازل عن كل شيء كان يؤمن به، كما تنازل العديد من المحبين عن مبادئهم لمن في كفهم الذهب وفي يدهم المال وأصحاب الألقاب والرتب…

تيفــو ROOM101، الذي يحيل على “الغرفة 101” في رواية الأديب البريطاني العالمي غجورج أورويل” وهي غرفة التعذيب  يحمل رسالة سياسية قوية وإرهاصات لها مابعدها، تجاوزت خطاب الأحزاب السياسية وبائعي الوهم بقبة البرلمان المغربي، إنها رمزية عظيمة تعبر عن نقلة كبيرة ومفاجئة في الحس الأدبي والوعي السياسي، وتطرح أكثر من أي وقت مضى أسئلة جديدة تستلزم أجوبة واجتهادا آخر وشجاعة أكبر من المسؤولين الحقيقيين بالبلاد بعيدا عن هاؤلاء الذين يظهرون بشاشة التلفاز والتظاهرات الوطنية والدولية، حتى لو كان ذلك ضدا على منزلتهم المتعالية أو فضحا لمحدوديتها وتناهيها، كما كان الشأن لمن سبقها من الأمم الغابرة، رغم شعاراتهم المزيفة وخطاباتهم المستهلكة التي لم تبلغ يوما لما جاء على لسان الجماهير بالمدرجات الرياضية خلال السنوات الأخيرة، مما أصبح يسبب حرجا كبيرا لكل مكونات الدولة المغربية.

يصح لنا أن نقول وبكل فخر “جماهير الالتراس مشي مكلخة أو معارفاش راسها أشنو كدير كما حاول البعض أن يغطي الشمس بالغربال…” فهي نفسها التي غنت وبكل شجاعة: ” في بلادي ظلموني.. لمن أشكوا حالي”، إلى أن أصبحت صوتا لشعوب العالم العربي، خاصة بعد موجات الإحباط الناتج عن قمع الربيع الديموقراطي بما فتحه من أمل في مستقبل للمنطقة العربية، الأغنية التي تحولت إلى أيقونة “الغضب” الشعبي العربي ككل، وأعادت عبر “الآلتراس” وحدة الإحساس رغم غياب الأفق واستمرار استحمار أبناء العشب وهضم حقوقهم المشروعة، وأكدت بأصواتها العالية عما يسكن كلياتها من شعور بالظلم والقهر والاستبداد والحيف والإِجْحاف والإضْطِهَاد والتَحَكُّم والتسلط الذي لم ينتهي بعد…

في الحقيقة أنا شخصيا ومهنيا لا أفهم في ثقافة كرة القدم الشيء الكثير، ولا أحفظ أسماء الأندية والفرق الكروية ولاعبيها ومدربيها منذ صغري، وغالبا لا أتابع حتى المبارياة المهمة إلا مرة واحدة دخلت ملعب دونور وبالصدفة بأمر من أحد زملائي الصحفيين وأحببت جو كرة القدم والجماهير وأنا أسمع ولأول مرة حينذاك “في بلادي “ظلموني” وأشاهد أشكال مواطنين الذين يتغنون بتلكم الكلمات تعبر عن حالهم بعدما نال منهم الزمان في وطننا الحبيب، ومنذ ذاك الحين وجدتني أحترم وأعز وأقدر الحس الوطني الكبير لجمهور الرجاء العالمي الذي يتقاسم مع الشعب المغربي المقهور كل صغيرة وكبيرة ويبتكر أساليب جديدة ومتطورة يسيطر بها على العامة والخاصة وحتى خاصة الخاصة، ويعطي الأمل مرة أخرى في تغيير مالم يغيره هؤلاء المخادعين الذين يسمون أنفسهم نخبة الشعب وساداته، ولهذا لا ولن أسمح لنفسي ولا يهمني رأي الغير بالقول أن هذا ليس وعيا ولكنه تفاهة تمثل الانحدار نحو الحضيض، وأن المرحلة عرفت ظهور ما يسمونهم “الشمكارة”، على غرار أغنية “عاش الشعب” لأصحابها: ولد الكرية ولزعر والمعتقل الكناوي “الله يطلق سراحو” مهما كانت أسباب اعتقاله، المهم أنهم نتاج مجتمع يشعر بالقلق المتزايد ولم يعد لهم متنفس إلا ماقاموا به وهو مايحتاج لنقاش مجتمعي مسؤول…

ومن المعلوم أن الكاتب البريطاني جورج أورويل من أوائل الكتاب الذين تنبأوا في أعمالهم بالمصير الذي سيؤول إليه عالمنا المنكوب بالاستبداد والقمع وسيطرة الأحزاب الحاكمة والنظم الشمولية والقلة المسيطرة  وتدخل الأجهزة السرية في جميع أنشطة الانسان وقولبة فكره ومسخه وتحويله إلى كيان آخر، منزوع الاستقلالية، ومسلوب الإرادة ويساوي صفراً، أو ممسوخا ومغسول الذهن ومجبر في الغالب لصالح النظام وفرد تابع وخاضع له، وكلما عرف العالم كارثة انسانية جديدة من صنع بني البشر كالكوارث المالية والصحية والمناخية والانقلابات والابادات الجماعية وحروب الفقر والتجويع والكذب والتضليل، وكل الحوادث التي تبدو في ظاهرها طبيعية وتحدث من تلقاءها، ثم يتبين لاحقاً أنها مصطنعة وتخفي التآمر والخديعة، وهو ما تفاعلت معه الجماهير العظيمة لفريق الرجاء العالمي بفكرة الغرفة 101 سواء عن قصد أو عن غير قصد من خلال رفع تيفور “الغرفة 101”.

فشكرا جزيلا لفريق الرجاء العالمي وجماهيريه العظيمة التي قالت مالا نستطيع قوله من أنين المظلوم وكشف للوزارة الحقيقة… والتي مهمتها المفضوحة في مراقبة الشعب ونشر الأخبار الملفقة والتصنت على المواطنين وتحطيم العلاقات الأسرية وافناء كل ولاء غير موجه للسلطة، ووسيلة هذه الوزارة  التي تعمل ليل نهار لأجل السيطرة على العقول وتدميرها وإعادة تركيب الكلمات والمصطلحات المتداولة، بل وصنع لغة جديدة، بل مراجعة التاريخ وحرق وحذف وتغيير وتعديل ما لا يناسبها وما لا يتوافق مع المعتقدات والحقائق التي تريدها وتتفق مع سياساتها، كما جاء في “الرواية” طبعا…

أسعدتنا جماهيرالرجاء العالمي وهي تقدم بفهم عميق ورقي كبير “البطل الضحية المحب لجوليا التي تشبه “العيش الكريم” الذي يرفع شعارا عند الأحزاب السياسية المغربية الفاشلة، البطل المراقب والمكشوف بسبب أجهزة التصنت وشاشات المراقبة بحكم معارضته وشكوكه في عقيدة الحزب وانتماءه لجماعات مناوئة، تقبض عليه شرطة الفكر ويقتاد إلى وزارة الحب حيث يجري استجوابه وتعذيبه ومعالجته من كراهية الحزب، وفي إحدى الجلسات يتضح له أن تعذيبه ليس بغرض الحصول على المعلومات أو الاعترافات ولكن بهدف تغيير طريقة تفكيره، حيث يؤخذ الى“الغرفة 101” والتي تعد الغرفة الأكثر رعبا  حيث يسلط على السجين أكثر شئ يخافه كي تتحطم قدرته على الصمود والمقاومة ومن ثم يخرج ليس كما خرج فريق الوداد الرياضي مقصيا من المباراة ولكن كما خرج اللاعبين من الملعب “اللغز” الذي يقود إلى “الغرفة 101” حيث لا يخرج أحد إلا راكعا.

لغز الغرفة “101” وهو يشكل رقم واحد ثم يُصيرونه صفراً، ثم يعاد خلقه من جديد ليصبح واحداً جديداً  لكنه واحد نافع وغير مضر لـ… بل ومؤيد له، وفي حالة ونستون يسلطون عليه الفئران التي يخشاها، وهنا يصرخ البطل “لاتفعلوا ذلك بي افعلوه بجوليا”، فيدركون أنه انتهى وأوصلوه إلى مرحلة تحطيم أعماق القلب والوجدان، عندها يتوقفون عن تعذيبه ويخرج من السجن، يعود مرة ثانية إلى المجتمع انساناً جديدا معافى من ذلك الرجل الذي كانه في السابق، مغسول الدماغ ومعادة تربيته ومعتقداته ونظرته إلى الحزب حسب الرواية المكتوبة والمسموعة و الغرفة الموجودة، وهو ما يطلق عليه المغاربة عادة بالقول “باع الماتش”.

 في المشهد الأخير من الرواية يلتقي ونستون بحبيته بالمصادفة، يتحدثان ببرود، يصف كلاهما  أحاسيسهما  القديمة السابقة “بالسيئة”، يقر كلاهما بخيانة الآخر، يفترقان بلا مبالاة، ويعود الصحفي إلى حياته السابقة بدخل أكبر ووضع مهني أفضل وبمصالحة مع الحزب وباتفاق على الاستمرار في عمله كصحفي مزَور للحقائق حفاظا على لقمة عيشه وتلافيا لتهديدات الحزب له بإعدامه أو إبعاده أو شاء صوته وما تكرر كثيرا منذ زمن بعيد...

لا بدّ أنّ كل شخص قد شهد في حياته مواقف رأى فيها ظلماً واقعاً على أحدهم، سواء كان ظلماً كبيراً أو ظلماً صغيراً، ويعلم كم يكون التحدث مخيفاً في موقفٍ كهذا وقد ينجم عنه عواقب سيئة عاشها الناس في الغرفة 101، ولكنه يعلم أيضاً أنّ السكوت مخيف أكثر لأنّ العواقب التي تنجم عنه تمتدّ من الشخص نفسه إلى غيره، وذلك لأنّ السكوت يجعل من الظلم فعلاً ممتدّاً لا يتوقف ما لم تُكسر هذه السلسلة من الصمت ولاسيما ممن تجرع مرارة العيش في بيت مظلم مكتوب على جدرانه الأرقام الثلاثة…

أحببت أن أقرب القارئ من مغزى ولغز “الغرفة 101”… لم أكتب شيئا جديدا من الرواية ولكن أحببت أن أمزج لكم بيننا وبينها، هناك الداخل حكائي والخارج حكائي والفاهم يفهم، وشكرا لكل من وصل لنقاط الحذف الثلاثة…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد