عاد اسم فهد القندوسي إلى الواجهة مع استمرار إدراجه ضمن القائمة الوطنية لأبرز المطلوبين لدى الشرطة الهولندية، في ملف جنائي ثقيل تتداخل فيه شبهات الاتجار الدولي بالمخدرات، ووقائع إطلاق النار، والأموال الضخمة التي يُعتقد أنها جُمعت من أنشطة غير مشروعة.
فالرجل الذي نشأ بمدينة فاخينينغن الهولندية لم يعد اسمه مجرد تفصيل في تحقيق أمني عابر، بل أصبح أحد الأسماء التي تبحث عنها السلطات الهولندية في إطار جهودها لتفكيك شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، خصوصاً تلك المرتبطة باستيراد الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى الأسواق الأوروبية.
وتعود أبرز فصول هذه القضية إلى العاشر من يناير 2023، حين أعلنت النيابة العامة الهولندية إدراج فهد القندوسي، المولود في 22 نونبر 1984، ضمن قائمة المطلوبين وطنياً، إلى جانب محمد نجيب قيدوح، الذي تعتبره السلطات شريكاً محتملاً في قيادة شبكة دولية واسعة. وبحسب الشرطة الهولندية، فإن التحقيقات تشير إلى أن الرجلين، إلى جانب مشتبه فيه ثالث سبق اعتقاله ويُعرف باسم منير ك، كانوا يشكلون الحلقة القيادية لشبكة يُشتبه في أنها أدارت عمليات استيراد كميات ضخمة من الكوكايين، مع التحكم في مواعيد الشحنات وأحجامها ومسارات توزيعها والجهات المستفيدة منها.
والأكثر إثارة في هذا الملف ليس حجم المخدرات التي تتحدث عنها التحقيقات فحسب، بل المبالغ المالية التي يُعتقد أن الشبكة راكمتها على امتداد سنوات. فالشرطة الهولندية تتحدث عن عائدات محتملة تصل إلى عشرات الملايين من اليوروهات سنوياً، وهي أرقام تكشف، إن ثبتت قضائياً، حجم الاقتصاد الإجرامي الموازي الذي قد تنشئه شبكات تهريب المخدرات داخل أوروبا وخارجها، وبينما يكافح المواطن العادي لتأمين متطلبات حياته اليومية، تثير هذه المعطيات صورة عالم آخر تتحرك فيه الملايين عبر الحدود، وتتحول فيه الأرباح المشتبه في مصدرها إلى ممتلكات فاخرة وعقارات واستثمارات تستوجب التدقيق في مصادر تمويلها.
ولم تكن القضية، وفق المعطيات الرسمية، مجرد تجارة سرية للممنوعات، بل ارتبطت أيضاً بشبهات استخدام العنف المسلح لتصفية الحسابات وحماية المصالح داخل السوق غير المشروعة
وتشتبه الشرطة في أن الشبكة استعانت بأشخاص لتنفيذ اعتداءات ضد خصوم أو أطراف مرتبطة بنزاعات تجارة الكوكايين، في مشهد يكشف كيف يمكن أن تتحول المنافسة على أرباح المخدرات إلى تهديد مباشر لأمن الأحياء السكنية وحياة المدنيين. وتقول السلطات إن عدة أشخاص أصيبوا بجروح متفاوتة الخطورة في وقائع عنف نسبت إلى أشخاص يعملون لحساب الشبكة المشتبه فيها.
ومن أخطر الوقائع التي ارتبط بها اسم القندوسي حادث إطلاق النار على منزل سياحي بمنطقة تيينهوفن الهولندية، حيث أصيب رجل كان نائماً داخل المبنى، رغم أنه لم يكن الهدف المقصود من الهجوم. وفي هذه القضية تحديداً، صدر في حق فهد القندوسي حكم غيابي بالسجن لمدة 12 سنة، على خلفية إصدار أمر بتنفيذ الاعتداء المسلح، بحسب ما أعلنته السلطات الهولندية. وهذه النقطة تكتسي أهمية قانونية خاصة، لأنها تتعلق بحكم قضائي صادر بالفعل، بخلاف باقي الاتهامات المرتبطة بالشبكة الدولية للمخدرات، التي ينبغي التمييز فيها بين ما تقوله التحقيقات وما ثبت بحكم قضائي.
وتكشف معطيات أخرى عن ارتباط التحقيقات بحوادث إطلاق نار شهدتها مدينتا تيلبورخ ووالفايك خلال سنة 2020. ففي إحدى الوقائع، تعرض منزل لإطلاق نار، قبل أن تشهد المنطقة حادثاً آخر استهدف رجلاً وابنته البالغة من العمر تسع سنوات، فيما تعرض محل للحلاقة وشقة سكنية فوقه لإطلاق النار في تيلبورخ وهي حوادث تطرح أسئلة قاسية حول الثمن الذي يمكن أن يدفعه الأبرياء عندما تتحول الصراعات بين شبكات الجريمة المنظمة إلى مواجهات مسلحة داخل الأحياء السكنية.
- أما الخيط المغربي في هذه القضية، فيبرز من خلال المعلومات التي نشرتها الشرطة الهولندية بشأن تحركات القندوسي خارج الأراضي الأوروبية فقد أفادت السلطات بأنه أقام خلال فترات سابقة في المغرب، وأن آخر مكان إقامة معروف لديها وقت نشر مذكرة البحث سنة 2023 كان بالمملكة، حيث سبق أن قضى فترة قصيرة في السجن كما تحدثت التحقيقات عن ارتباطات بدبي وتركيا، وعن احتمال تنقل بعض المشتبه فيهم باستعمال هويات أو وثائق سفر مزورة. غير أن هذه المعطيات التاريخية لا تثبت مكان وجود القندوسي اليوم، ولا تسمح بالجزم بأنه ما زال داخل المغرب.
ويفتح هذا الامتداد الجغرافي باباً واسعاً من التساؤلات بشأن الصعوبات التي تواجهها الأجهزة الأمنية في تعقب الأشخاص المطلوبين دولياً، خصوصاً عندما تتوزع تحركاتهم المحتملة بين عدة دول وتختلف الأنظمة القضائية ومساطر التسليم والتعاون الأمني. فمكافحة الجريمة المنظمة لم تعد رهينة توقيف الأشخاص داخل بلد واحد، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدول على تبادل المعلومات وتتبع الأموال وتنفيذ الإنابات القضائية وتنسيق عمليات البحث، مع احترام الضمانات القانونية وحقوق الأشخاص المعنيين.
وفي جانب لا يقل خطورة عن الاتهامات المرتبطة بالمخدرات والعنف، تتجه أنظار المحققين إلى الممتلكات والثروات التي يُشتبه في ارتباطها بعائدات الأنشطة الإجرامية. فقد أوضحت الشرطة الهولندية أن التحقيقات تشمل تعقب عقارات ومقتنيات فاخرة داخل البلاد وخارجها، بهدف تحديد مصادر الأموال واسترجاع الممتلكات التي قد يثبت أنها اقتنيت بعائدات غير مشروعة. فالمعركة ضد شبكات الكوكايين لا تُحسم فقط بمصادرة الشحنات أو اعتقال الوسطاء، وإنما أيضاً بتفكيك البنية المالية التي تسمح لهذه الشبكات بالاستمرار وإعادة تنظيم نشاطها.
واللافت أن استمرار إدراج القندوسي ضمن قائمة المطلوبين الهولندية يثير سؤالاً مشروعاً حول حدود فعالية الملاحقة الدولية، خاصة أن اسمه ظهر في القائمة منذ أكثر من ثلاث سنوات. فهل تكفي مذكرات البحث وحدها لمواجهة شبكات تمتلك، وفق شبهات المحققين، موارد مالية ضخمة وعلاقات عابرة للحدود؟ وكيف يمكن ضمان ألا تتحول الأموال المشبوهة إلى وسيلة لشراء النفوذ أو تسهيل الاختباء أو إخفاء آثار الجرائم؟ إنها أسئلة تتجاوز شخص القندوسي لتلامس واحدة من أعقد معضلات الأمن الدولي المعاصر.
ولا ينبغي أن يُفهم ورود اسم المغرب في هذا الملف باعتباره اتهاماً للمملكة أو مؤسساتها، إذ إن المعطيات المنشورة تتعلق بتحركات محتملة لأشخاص محددين، وليس بمسؤولية دولة عن أفعالهم. كما أن محاربة الشبكات العابرة للحدود تقتضي تعاوناً قضائياً وأمنياً دولياً قائماً على الأدلة، بعيداً عن التعميم أو ربط الجريمة بأصل وطني معين. فالجريمة المنظمة لا جنسية لها، والعدالة ينبغي أن تستهدف الأفعال والأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم، لا البلدان أو المجتمعات التي ينتمون إليها.
وفي ظل استمرار إدراج فهد القندوسي ضمن قائمة المطلوبين الرسمية التي جرت مراجعتها بتاريخ 24 أكتوبر 2026، تبقى الحقيقة الأبرز أن الحكم الغيابي الصادر بحقه في قضية إطلاق النار لم يُنهِ الملف، وأن التحقيقات المرتبطة بشبكة المخدرات ما تزال تطرح تحديات تتعلق بالملاحقة القضائية وتعقب الأموال. ولم أعثر على إعلان رسمي حديث يؤكد اعتقاله أو يحدد مكان وجوده الحالي.
إن قضية فهد القندوسي ليست مجرد قصة رجل مطلوب للعدالة، بل نموذج لملف يكشف كيف يمكن لأرباح المخدرات أن تتقاطع مع العنف المسلح وتراكم الثروات المشبوهة، وكيف يصبح تنفيذ الأحكام وملاحقة شبكات التمويل اختباراً حقيقياً لفعالية التعاون الدولي. وبين حكم بالسجن لمدة 12 سنة، واتهامات خطيرة بتهريب الكوكايين، وقائمة بحث ما زال الاسم مدرجاً فيها، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: متى تُغلق هذه القضية قضائياً، وتُكشف جميع الحقائق المرتبطة بالشبكة وأموالها وضحايا العنف المنسوب إليها؟
فالقضاء لا يكتمل بإصدار الأحكام وحدها، ومحاربة الجريمة المنظمة لا تنتهي بمصادرة شحنة من المخدرات؛ بل تبدأ المعركة الحقيقية حين تُكشف شبكات التمويل، وتُنفذ الأحكام، وتُستعاد الأموال غير المشروعة، ويُحاسب كل من تثبت مسؤوليته أمام العدالة.


