في الوقت الذي كان الأوروبيون يحتفلون، قبل أيام (الأربعاء 15 يوليوز 2026)، بإزالة آخر سياج حدودي بين إسبانيا وجبل طارق، كانت الأسلاك الشائكة المحيطة بسبتة ومليلية تتحول إلى مشهد لاختراق غير مسبوق، مع أكبر موجة عبور شهدها الثغران المحتلان منذ سنوات. ليست مصادفة أن يقع الحدثان في التوقيت نفسه، فالأول يجسد فلسفة سياسية جديدة في إدارة النزاعات، بينما يكشف الثاني حدود المقاربة الأمنية عندما تصبح بديلا عن الحلول السياسية.
قد تبدو الصورتان منفصلتين، إلًا أن حقيقتهما واحدة. ففي أقصى جنوب إسبانيا، اختار الاتحاد الأوروبي أن يواجه إرثا استعماريا معقدا (جبل طارق) بمنطق الحوار الذي أفضى إلى إدماجه في منطقة شنغن، وبداية التدبير المشترك لبعض المصالح العملية بين إسبانيا و”المستعمر” البريطاني، في انتظار أن ينضج الحل النهائي. أما في الضفة الجنوبية للمتوسط، فما يزال ملف سبتة ومليلية المغربيتين، أسير المقاربة التقليدية نفسها: مزيد من الأسلاك الشائكة، ومزيد من الدوريات الأمنية، ومزيد من الانتظار إلى أن تنفجر أزمة جديدة، ثم يعود الجميع إلى تبادل الاتهامات، وكأن شيئا لم يكن.
منذ الأيام الأولى للأزمة، انشغل النقاش بالسؤال المعتاد: من المسؤول عن تدفق عشرات الآلاف من المغاربة من مختلف الأعمار نحو سبتة؟ هل هي شبكات الاتجار بالبشر؟ أم التأويل الخاطئ للحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية بشأن عدم الإرجاع الفوري لبعض المهاجرين الذين يصلون بحرا؟ أم أن هناك من استثمر الشائعات المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي ودفع آلاف الشباب إلى الاعتقاد بأن الطريق نحو أوروبا أصبح مفتوحا؟ وربما تداخلت كل هذه العوامل، كما أقر بذلك رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عندما ربط ما وقع بالتفسير المضلل لحكم قضائي واستغلاله من قبل مافيات الهجرة.
غير أن اختزال ما وقع في البحث عن المسؤول لن يغير شيئا من حقيقة أكثر عمقا، وهي أن الأزمة ليست أزمة هجرة بقدر ما هي أزمة جغرافيا سياسية. استمرار الوجود الإسباني بمدينتي سبتة ومليلية المغربيتين، يجعل أي توتر اجتماعي، أو أزمة دبلوماسية، أو حتى إشاعة عابرة، قابلا للتحول، في ساعات قليلة، إلى قضية أوروبية، مادام الاتحاد الأوروبي يعتبر أن حدوده تقع في شمال المغرب (سبتة ومليلية).
لقد كشف ما جرى، مرة أخرى، أن الحلول الأمنية مهما بلغت نجاعتها لا تستطيع أن تعالج وضعا سياسيا غير طبيعي. فقد أقامت إسبانيا الحواجز العائمة، وشددت المراقبة، وأكدت أن من دخلوا سبتة بطريقة غير نظامية لن يسمح لهم بالانتقال إلى التراب الإسباني أو إلى فضاء شنغن، لكن كل ذلك لم يمنع أزمة إنسانية من أن تقع، ولم يمنع أوروبا من أن تجد نفسها، مرة أخرى، أمام نقاش حاد حول حماية “حدودها” الخارجية، إلى درجة أن بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها إيطاليا وفنلندا والدنمارك، طالبت بتشديد الإجراءات على إسبانيا نفسها، أو حتى اخراجها من منطقة شنغن!!؟
وهنا بالذات، يمكن استحضار أرضية الاتفاق، الذي أفضى إلى إزالة السياج الحدودي بين إسبانيا وجبل طارق، فهي لم تحسم النزاع حول السيادة، ولم تطلب من أي طرف التخلي عن مواقفه التاريخية، لقد تعمدت أرضية الاتفاق أن تفصل بين الخلاف السياسي وبين تدبير الحياة اليومية، فتم التوافق على إلغاء مراقبة الحدود وتيسير الحركة، بما يخدم السكان والاقتصاد والاستقرار، في انتظار أن يقول التاريخ كلمته في الملف برمته.
فلماذا لا يصبح هذا المنطق نفسه موضوع تفكير جدي بين الرباط ومدريد بعد أن أصبحت حدود الاتحاد الأوروبي “مهددة” بلا سلاح؟
ربما آن الأوان لكي يتقدم الاتحاد الأوروبي نفسه بمبادرة سياسية شجاعة، وهي أن يُخرج المدينتين المستعمرتين سبتة ومليلية الواقعتين شمال المغرب من منطقة شنغن، لتضطر إسبانيا أن تقترح آلية انتقالية جديدة لتدبير المعابر والحركة الاقتصادية والتجارية، على غرار ما جرى في جبل طارق، بما يحول منطقة الاحتكاك إلى فضاء للتعاون، ويمهد لحل تاريخي طال انتظاره… إن إنشاء نظام للتسيير المشترك للمعابر بين اسبانيا والمغرب، وإزالة السياج الحدودي، وإحداث فضاء اقتصادي وتجاري مشترك، يمكن أن يحول المدينتين من بؤرتي توتر دائم إلى مجال للتعاون، ويهيء مناخا جديدا يسمح بفتح مفاوضات هادئة حول مستقبل آخر وجود استعماري فوق التراب الإفريقي.
قد يبدو هذا الطرح طَموحا، لكنه في الحقيقة ينسجم مع التحولات، التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة. فقد نجح في تفكيك اقتصاد التهريب المعيشي، الذي ظل لعقود يغذي الثغرين المحتلين، ويستنزف الاقتصاد الوطني، من خلال خلق منطقة حرة بمدينة طنجة المجاورة لسبتة ومليلية، وإقامة المناطق الصناعية واللوجستية، وتشجيع التصنيع، وتنظيم قنوات الاستيراد، وإغلاق المنافذ التي كانت تستنزف العملة الصعبة.
وكانت النتيجة أن اختفى اقتصاد غير مهيكل بالمنطقة كان يستنزف الاقتصاد الوطني، لكنه في المقابل ترك آثارا اجتماعية واقتصادية واضحة داخل المدينتين المحتلتين، كما أثر على عدد من المدن المغربية المجاورة لهما، والتي كانت تعتمد جزئيا على تلك الحركة التجارية.
إن المكسب السياسي الأهم، الذي لم ينتبه إليه كثيرون، هو أن الأزمة الأخيرة أخرجت ملف سبتة ومليلية من دوائر النقاش المتخصص إلى واجهة الرأي العام الأوروبي والدولي. فلأول مرة، وبهذا الاتساع الإعلامي، وجد ملايين الأوروبيين وأضعاف مضاعفة من مواطني باقي دول المعمور أنفسهم أمام حقيقة جغرافية وسياسية طالما غابت عن النقاش، وهي أن سبتة ومليلية مدينتان خاضعتان للإدارة الإسبانية فوق التراب المغربي. فقد تحولت تغطية وسائل الإعلام، والتصريحات الرسمية، والنقاشات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، من مجرد متابعة لأزمة هجرة إلى مناسبة أعادت طرح سؤال الوضع الاستثنائي للثغرين. وهذه، في حد ذاتها، فرصة دبلوماسية لا ينبغي للمغرب أن يتركها تمر دون استثمار هادئ وذكي، لأن كسب معركة الوعي الدولي يسبق، في كثير من الأحيان، كسب معركة التفاوض.
ومن هنا، فإن المبادرة المغربية المنتظرة لا ينبغي أن تقتصر على تدبير تدفقات الهجرة، إذ يمكن أن تتسع لتشمل إعادة تأطير النقاش الدولي حول مستقبل سبتة ومليلية، باعتبارهما قضية سياسية مؤجلة، لا مجرد معبر حدودي يشهد أزمات موسمية.
لقد أكد وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، منذ سنوات، أن المغرب ليس شرطيا لأوروبا ولا حارسا لحدودها، وإنما شريك يتعاون وفق منطق المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. واليوم، يمكن لهذا المبدأ أن يتطور من مجرد تصور لتدبير الهجرة إلى رؤية أشمل لإدارة المجال الحدودي برمته. فالشراكة الحقيقية لا تعني فقط التعاون في وقف الهجرة السرية، وإنما أيضا امتلاك الشجاعة السياسية لمعالجة الأسباب البنيوية، التي تجعل هذه الأزمات تتكرر.
إن ما وقع في سبتة، على قسوته، قد يكون مناسبة نادرة لكي ينتقل الملف من دائرة الانفعال إلى دائرة التفكير، ومن إدارة الوقائع اليومية إلى التفكير في المستقبل. فالمغرب لم يعد ذلك البلد، الذي يكتفي بردود الفعل، فقد أصبح يمتلك من الثقة الدبلوماسية ومن الحضور الإقليمي ما يسمح له بأن يكون صاحب مبادرات، لا مجرد طرف ينتظر ما يقترحه الآخرون.
لقد نجح المغرب، خلال العقد الأخير، في نقل قضية الصحراء من منطق النزاع المفتوح إلى منطق البحث عن الحل السياسي الواقعي، مستندا إلى رؤية واضحة وصبر استراتيجي وعمل دبلوماسي متواصل. وليس مستبعدا أن يأتي اليوم الذي يختار فيه اعتماد المنهج نفسه في التعاطي مع ملف سبتة ومليلية: ليس بمنطق التصعيد، ولا بمنطق إدارة الأزمات المتكررة، وإنما بمنطق المبادرة وصناعة المستقبل.
لقد اقتلع الأوروبيون سياج جبل طارق لأنهم أدركوا أن الأسلاك لا تحل عُقد التاريخ. وقد قبلت حكومة جبل طارق، دفاعا عن مصالحها، بمنطق الإدارة المشتركة والمرونة السياسية، لأنها أدركت أن استمرار الأسلاك الشائكة والحواجز الأمنية لا يصنع الحلول بقدر ما يؤجل الانفجار فقط. فلماذا لا يصبح هذا النموذج نفسه مدخلا لمعالجة ملف سبتة ومليلية؟
هذا هو السؤال، الذي تطرحه أحداث سبتة، ونطرحه اليوم: هل آن الأوان لكي ينتقل المغرب وإسبانيا من حماية سياج يفصل بين ضفتين، إلى بناء أفق سياسي يطوي، بالتدرج والحكمة، آخر صفحة من صفحات الاستعمار في غرب البحر الأبيض المتوسط؟
قد يكون آلاف الشباب، الذين سبحوا نحو سبتة يبحثون عن مستقبل فردي، لكنهم، من حيث لا يعلمون، أعادوا فتح أكبر ملف مؤجل في غرب المتوسط. أما الباقي، فلم يعد رهينا بالأسلاك الشائكة، وإنما بقدرة السياسة والديبلوماسية على أن تسبق الأزمة المقبلة تفاديا للتسبب من جديد في ازهاق الأرواح لا قدر الله…



