مقالات الرأي

6 دقائق قراءة

النفاق الإجتماعي في الحرم الجامعي

النفاق الإجتماعي في الحرم الجامعي

شارك هذا الخبر

علاش تيفي / ضحى العلياني

تُشكّل العلاقات داخل الحرم الجامعي فضاءً للتفاعل الفكري والإجتماعي، يُفترض أن تقوم فيه الروابط بين الطلبة على الإحترام والتعاون.

غير أن بعض الممارسات تثير تساؤلات حول حقيقة هذه العلاقات، خاصة حين يرتبط الإهتمام بالمصالح الشخصية، ويظهر الودّ مع اقتراب الحاجة، ثم يتراجع بمجرد بلوغ المقصود.

فكيف يمكن التمييز بين الصداقة الصادقة والعلاقات القائمة على المنفعة؟ وإلى أي حد أصبحت بعض الروابط الطلابية رهينة المصالح الشخصية؟

وتتجلى هذه الإشكالية في ممارسات شبه يومية يعرفها كثير من الطلبة؛ إذ يصادف الطالب زميلًا لا يكاد يسأل عن أحواله طوال الموسم الجامعي، ثم يتحول، مع اقتراب الإمتحانات، إلى أكثر الأشخاص حرصًا على التواصل.

تتوالى التحيات والرسائل، وتكثر عبارات الودّ، ويظهر إهتمام لم يكن حاضرًا بالقدر نفسه خلال الأسابيع السابقة، وما إن تنتهي فترة الإمتحانات حتى يعود الصمت، وقد يستمر إلى بداية الموسم الجامعي الموالي، قبل أن يتكرر المشهد من جديد، سلام متواصل، ومجاملات، ورسائل ومقاطع مرئية عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وكأن شيئًا لم يحدث.

والمفارقة أن بعض هذه العلاقات لا تستعيد حيويتها إلا عندما تلوح حاجة جديدة، ما يطرح تساؤلًا حول ما إذا كان التواصل تعبيرًا عن المودة أم مجرد وسيلة للحصول على المساعدة مرة أخرى.

ولا تقف هذه الممارسات عند حدود التقرب وقت الحاجة، بل تمتد إلى اختلال التوازن بين الأخذ والعطاء، حين تتحول العلاقة إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية بدلًا من أن تقوم على التقدير المتبادل.

ويتضح ذلك عندما يُطلب من طالب أن يبذل وقته وجهده باستمرار، دون أن يجد استعدادًا مماثلًا للمساندة، أو حين تُستحضر العلاقة عند الحاجة إلى بحث أو عرض أو معلومة، ثم تُهمَل بمجرد الحصول على المطلوب، وعندما يصبح أحد الطرفين مستفيدًا دائمًا، فيما يتحمل الآخر عبء العطاء وحده، تنحرف العلاقة عن أساسها الإنساني، ويحلّ الإستغلال محلّ الإيثار الذي يُفترض أن يؤطر العلاقات بين أفراد المجتمع.

ويتخذ هذا السلوك مظهرًا آخر حين يتناقض الخطاب المعلن مع السلوك الفعلي؛ فقد يُبالغ شخص في إظهار المحبة أمام زميله، ويحرص على مخاطبته بأعذب العبارات، ثم ينتقص منه أو يوجّه إليه انتقادات غير بنّاءة في غيابه، أو ينقل أسراره إلى الآخرين، وقد يَعِد بالمساندة حين يكون الكلام سهلًا، ثم يتوارى عندما يصبح الوفاء بالوعد إلتزامًا فعليًا. وفي مثل هذه المواقف، تبرز تساؤلات مشروعة حول مصداقية العلاقات الإجتماعية: ما جدوى الودّ المعلن إذا ناقضته المواقف؟ وما قيمة الثقة إذا تحولت الأسرار المؤتمن عليها إلى مادة للأحاديث الجانبية؟

ولا تنحصر هذه المظاهر في التفاعلات المباشرة، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تتقدم صناعة الصورة أحيانًا على حقيقة العلاقة.

ففي الوسط الجامعي، قد يتحول حفل التخرج إلى مناسبة لاستعراض صداقات تبدو متينة أمام الكاميرا، قبل أن تنكشف هشاشة بعضها بانتهاء المناسبة.

وتتكرر المفارقة في الأنشطة الجامعية، حين يتسابق بعض الطلبة إلى الظهور إلى جانب الشخصيات المعروفة وذوي الحضور والمكانة، بينما يغيبون عنهم حين يحتاجون إلى الدعم والمساندة.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل توثّق الصور علاقات حقيقية، أم تُستخدم أحيانًا لتسويق صورة معينة تخدم أصحابها؟ فالمشكلة ليست في الصورة ذاتها، بل في التناقض بين ما يُعرض أمام الجمهور وما تكشفه المواقف بعيدًا عن الأضواء.

ولا تقتصر هذه الإختلالات على العلاقات الشخصية، بل تظهر أيضًا في الأعمال الجامعية المشتركة؛ إذ يتحمل طالب مسؤولية البحث والإعداد والتنسيق، بينما يكتفي آخرون بالظهور عند تقديم العمل أو الإستفادة من نتيجته، وقد ينسب بعضهم جهد غيره إلى نفسه، أو يختفي عند توزيع المهام ثم يعود عند جني الثمار.

أليست هذه الممارسات إخلالًا بالأمانة والإنصاف؟ وكيف يمكن الحديث عن روح الفريق إذا لم يتناسب التقدير مع حجم الجهد المبذول؟

ولا تنحصر آثار هذه السلوكيات في أطراف العلاقة المباشرة، بل تمتد إلى المناخ الإجتماعي داخل الوسط الجامعي؛ فالطالب الذي يجد نفسه مستغلًا قد يتردد لاحقًا في مساعدة غيره، خشية أن يتحول عطاؤه إلى فرصة جديدة للاستغلال. وهكذا، قد تدفع هذه التجارب بعض الطلبة إلى الحذر والإنغلاق، وتضعف الثقة التي يحتاج إليها الوسط الجامعي لبناء علاقات صحية ومبادرات مشتركة.

ومن المفارقات أن الجامعة، التي يُفترض أن تهيئ الشباب لتحمل المسؤولية في المستقبل، قد تصبح في بعض المواقف مجالًا لاختبار حدود الثقة بدلًا من ترسيخها.

ومع ذلك، يقتضي تناول هذه الظاهرة التمييز بين النفاق الإجتماعي والإنشغال الطبيعي؛ فليس كل انقطاع في التواصل دليلًا على المصلحة، ولا كل طلب للمساعدة شكلًا من أشكال الإستغلال.

لكن تكرار التقرب عند الحاجة، والإنقطاع بعد بلوغ المقصود، والتناقض المستمر بين الأقوال والأفعال، تظل مؤشرات تستدعي التأمل، دون التسرع في الحكم على النيات.

وفي ضوء ما تقدم، تبرز ضرورة ترسيخ الوعي بالفارق بين العلاقات القائمة على المودة الصادقة وتلك التي تحكمها المصالح الشخصية.

فمواجهة النفاق الإجتماعي لا تعني الإرتياب في الآخرين، بل تقتضي ألّا تُختزل الصداقة في المنفعة، وألّا تُقاس قيمة الأشخاص بما يقدمونه من خدمات، وإنما بصدق مواقفهم وثبات احترامهم.

وكما يُقال: «تُعرَف معادن الناس عند الشدائد»، فإن حقيقة العلاقات لا تكشفها العبارات المنمقة، بل تكشفها المواقف. ويبقى السؤال الجوهري: هل نؤسس علاقاتنا على التقدير المتبادل والصدق الإنساني، أم نُخضعها لمنطق المنفعة الآنية، فلا نستحضر الآخر إلا عندما تقتضي مصالحنا ذلك؟