علاش تيفي
بقلم عبد العزيز الدريج
منذ استقلال المغرب، وقطاع التعليم يعيش على إيقاع إصلاحات متعاقبة وتجارب تربوية متعددة، تتغير معها التصورات والمقاربات والشعارات، بينما تظل النتائج المرجوة بعيدة عن مستوى الطموحات والانتظارات.
فقد عرف هذا القطاع الحساس محطات إصلاحية عديدة، بدءا من مبادئ التوحيد والتعميم والمغربة والتعريب التي رافقت مرحلة ما بعد الاستقلال، مرورا بإصلاح التعليم الأساسي خلال ثمانينيات القرن الماضي، ثم الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999، والبرنامج الاستعجالي 2009–2012، وصولا إلى الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، والقانون الإطار 51.17، ثم خارطة الطريق 2022–2026.
وهي عناوين كافية لإبراز حجم التحولات التي عرفتها المنظومة التربوية، لكنها تطرح في المقابل سؤالا جوهريا: كيف يعقل أن يتعاقب كل هذا العدد من الإصلاحات والمخططات والبرامج، دون أن تتمكن المدرسة العمومية من بلوغ الأهداف الأساسية التي قامت من أجلها ؟
واليوم، تجد المنظومة نفسها أمام محطة جديدة تحمل اسم «مدارس الريادة»، التي جرى تنزيلها في عدد من المؤسسات التعليمية، باعتبارها مشروعا يروم تحسين التعلمات الأساس والرفع من جودة التحصيل الدراسي، غير أن الانتقال من التصورات النظرية إلى واقع الممارسة كشف عن مجموعة من الإشكالات والصعوبات، خاصة في المؤسسات التي لم تتوفر فيها الشروط المادية والبشرية والبيداغوجية الكفيلة بإنجاح هذا الورش؛ إذ كيف يمكن تنزيل مشروع بهذا الحجم في ظل غياب بعض المستلزمات الأساسية، وفي مقدمتها المقررات المدرسية التي لا تزال بعض المؤسسات تعاني من عدم توفرها في الوقت المناسب؟ وكيف يمكن الحديث عن تجويد التعلمات في ظل ممارسات صفية أصبح فيها الأستاذ مطالبا، في كثير من الأحيان، بتمرير شرائح إلكترونية جاهزة عبر جهاز العرض، بما قد يحول الدرس إلى عملية عرض آلي للمضامين، ويحد من هامش المبادرة والاجتهاد البيداغوجي، ويفرغ التدريس من جانب مهم من حيويته وتفاعليته ؟
لا يتعلق الأمر هنا برفض التكنولوجيا أو التقنيات الحديثة، وإنما بالتنبيه إلى خطورة تحويل الوسيلة إلى غاية، واختزال الفعل التعليمي في عرض شرائح معدة سلفا، بدل بناء التعلمات انطلاقا من حاجات المتعلمين ومستوياتهم وإيقاع استيعابهم، وإلى جانب ذلك، يجد الأستاذ نفسه أمام تراكم متزايد من العمليات والمهام الإضافية، من روائز تشخيصية وتقويمات مرحلية ونهائية، وتتبع مستمر للتعلمات، وتعبئة للمعطيات، وإنجاز للتقارير، وغيرها من الالتزامات التي تستهلك جزءا مهما من وقته وجهده، على حساب مهمته الأساسية المتمثلة في التدريس والتفاعل المباشر مع المتعلمين.
وقد رافق تنزيل المشروع رصد ميزانيات مهمة لتجهيز المؤسسات وتأهيل فضاءاتها وتوفير الوسائل الرقمية واللوجستيكية، وهو أمر لا يمكن إنكار أهميته، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ما الجدوى من كل هذه الاستثمارات إذا لم تنعكس بصورة ملموسة على جودة التعلمات ومستوى التحصيل الدراسي ؟
فالتجهيزات وحدها لا تصنع مدرسة رائدة، والشاشات والحواسيب لا تعوض الكتاب المدرسي، كما أن كثرة التقويمات والوثائق لا تعني بالضرورة تحقيق تعلم حقيقي.
ولعل استمرار تموقع المغرب في مراتب متأخرة ضمن عدد من التصنيفات والتقييمات الدولية، وعلى رأسها اختبارات PISA، يقدم مؤشرا يستدعي وقفة جادة لتقييم حصيلة السياسات التعليمية المتعاقبة، بعيدا عن منطق الترويج للمشاريع أو الاكتفاء بمؤشرات التنفيذ.
إن الإشكال الحقيقي لم يعد في ندرة الإصلاحات، بل في كثرتها دون تحقيق الأهداف المنتظرة، وفي الانتقال المتكرر من مشروع إلى آخر قبل معالجة اختلالات التجربة السابقة واستخلاص دروسها.
فكل مرحلة تأتي بخطاب جديد ومفاهيم جديدة ومهام إضافية، بينما يظل الأستاذ والمتعلم والمؤسسة التعليمية في مواجهة الإكراهات نفسها، بل قد يجدون أنفسهم أمام أعباء أخرى تضاف إلى ما تراكم لديهم.
إن المدرسة المغربية لا تحتاج إلى تغيير مستمر في أسماء المشاريع وشعاراتها بقدر ما تحتاج إلى إصلاح عميق ومستقر، ينطلق من واقع المؤسسات والفصول الدراسية، ويوفر الشروط الضرورية للتنزيل، ويعيد الاعتبار للأستاذ باعتباره فاعلا أساسيا لا مجرد منفذ لتعليمات وإجراءات جاهزة.
كما تحتاج المدرسة إلى تقييم موضوعي وشفاف لكل تجربة، وربط المسؤولية بالنتائج، واستثمار الموارد المالية والبشرية في ما يخدم التعلم الفعلي للمتعلمين.
فليس الإصلاح أن نطلق مشروعا جديدا، أو نجهز قسما بشاشة وحاسوب، أو نغرق الأستاذ في التقويمات والتقارير؛ وإنما الإصلاح أن نضمن للطفل تعلما جيدا، وأن يجد الأستاذ الظروف الملائمة لأداء رسالته، وأن تتحول الميزانيات المرصودة إلى نتائج ملموسة داخل الفصل الدراسي.
إن أخطر ما يهدد المدرسة العمومية ليس غياب الإصلاحات، وإنما أن تتحول الإصلاحات المتعاقبة إلى غاية في حد ذاتها، وتصبح المؤسسات التعليمية فضاء لتجريب المقاربات وتبديل المناهج، دون وضوح كاف في الأهداف أو أثر مستدام في النتائج.
فإلى متى سيظل التعليم المغربي ينتقل من إصلاح إلى آخر، دون أن ينتقل بالقدر نفسه من التعثر إلى الجودة؟


