لم يعد التشهير مجرد انحراف أخلاقي معزول داخل الفضاء الرقمي بل تحول في كثير من الأحيان إلى آلية ممنهجة تستهدف الأصوات النسائية المؤثرة في المجتمع وتسعى إلى إضعاف حضورها وتقويض مصداقيتها وعندما تكون الضحية صحفية تمارس عملها في قلب النقاش العمومي فإن الأمر يتجاوز حدود الاستهداف الشخصي ليصبح قضية تمس حرية الصحافة وحق المرأة المغربية في المشاركة الكاملة داخل الفضاء العام.
وفي خضم هذا الواقع تبرز الصحفية نجيبة جلال كواحدة من الوجوه الإعلامية التي وجدت نفسها في مواجهة حملات تشهير وإساءة لا تستند إلى قواعد النقد المهني ولا إلى أخلاقيات الاختلاف إذ بدل أن يكون النقاش حول الأفكار والمواقف والآراء يتم الانزلاق نحو استهداف الأشخاص والمس بسمعتهم ومحاولة تقديمهم للرأي العام في صورة مشوهة تخدم أجندات لا علاقة لها بالحقيقة أو بحرية التعبير كما أن أخطر ما في هذه الحملات أنها لا تستهدف الضحية المباشرة فقط بل تبعث برسائل ترهيب إلى كل النساء اللواتي اخترن الحضور في المشهد الإعلامي والسياسي والحقوقي بحيث تصبح كل صحفية تتعرض للتشهير بسبب رأي أو موقف أو ممارسة مهنية نموذجاً لمحاولة فرض الصمت عبر التخويف المعنوي والاغتيال الرمزي للشخصية.
ولقد خاضت المرأة المغربية معركة طويلة من أجل انتزاع مكانتها داخل المجتمع وتمكنت بفضل كفاءتها وإصرارها من الوصول إلى مواقع المسؤولية والتأثير كما أثبتت الصحفيات المغربيات أنهن شريكات أساسيات في نقل الحقيقة وصناعة الوعي والدفاع عن قضايا الوطن والمواطنين غير أن هذا الحضور المتنامي يبدو أنه ما يزال يزعج بعض الجهات التي ترى في المرأة المستقلة والصوت الحر تهديداً لمصالحها أو لصورها النمطية البالية ومن هنا فإن ما تتعرض له نجيبة جلال لا يجب أن يُقرأ باعتباره حادثاً فردياً أو خلافاً شخصياً بل باعتباره جزءاً من معركة أكبر تتعلق بحماية النساء من العنف الرقمي وصون كرامتهن داخل الفضاء العام.
فالتشهير بالصحفيات ليس اعتداء على أفراد فحسب بل اعتداء على حق المجتمع في إعلام حر ومتعدد وعلى حق المرأة المغربية في التعبير والمشاركة دون خوف من التنكيل المعنوي كما أن المجتمعات الديمقراطية الحقيقية لا تقاس فقط بوجود الصحافة أو بتعدد المنابر الإعلامية بل بمدى قدرتها على حماية الصحفيين والصحفيات من حملات التشويه والاستهداف بينما لا يمكن لحرية التعبير أن تتحول إلى مبرر للمس بالحياة الخاصة أو للإساءة إلى الكرامة الإنسانية تحت أي ذريعة كانت.
واليوم فإن التضامن مع نجيبة جلال هو تضامن مع كل امرأة مغربية اختارت أن تكون فاعلة ومؤثرة وأن ترفع صوتها داخل المجال العام وهو أيضاً دفاع عن مبدأ أساسي مفاده أن الاختلاف لا يبرر التشهير وأن النقد لا يمكن أن يتحول إلى أداة للاغتيال المعنوي فحين تُستهدف صحفية لأنها تؤدي رسالتها المهنية فإن القضية لا تعود قضية شخص واحد بل قضية مجتمع بأكمله مجتمع مطالب بأن يختار بين ثقافة الحوار والاحترام وبين ثقافة التشويه والإقصاء وبين إعلام حر يحميه القانون والأخلاق وبين فضاء مشحون بحملات التشهير التي لا تنتج سوى الخوف وتراجع الثقة وإضعاف المسار الديمقراطي.

