يكفي أن تُذكر أضاحي العيد حتى تعود إلى ذاكرة المغاربة صور الأسواق الملتهبة، والأسر التي اصطدمت بأثمان أنهكت ميزانياتها، والملايير التي ضُخت لتسهيل استيراد الأغنام، قبل أن تنتهي الرحلة بلحوم تُباع اليوم بـ150 و160 درهماً للكيلوغرام. التسجيل الصوتي المنسوب إلى رئيس مجلس النواب، رشيد الطالبي العلمي، أعاد هذا الملف بقوة إلى واجهة النقاش السياسي، وفتح دفاتر ظلت معلقة بين الدعم العمومي، والاستيراد، والمضاربة، والاحتكار، و«فراقشية المواشي». الحكومة قدمت استيراد الأغنام باعتباره أحد المخارج لتأمين العرض، وكبح الأسعار، وحماية القدرة الشرائية، غير أن ما عاشته الأسر في الأسواق سار في اتجاه مختلف: أثمان مرتفعة، وشكاوى متصاعدة، ودعم من خزينة الدولة، ثم غياب أثر قوي في السعر النهائي الذي يؤديه المواطن.
وهنا تبدأ المسؤولية السياسية: من أدار العملية؟ من راقب المستفيدين؟ من تابع الكميات المستوردة؟ ومن يستطيع اليوم أن يضع أمام المغاربة أسماء المستفيدين والأرقام كاملة؟ ويزداد الضغط على حزب التجمع الوطني للأحرار مع رفض فريقه النيابي الانخراط في لجنة لتقصي الحقائق حول الدعم الموجه لاستيراد المواشي، فالحزب الذي يقود الحكومة كان يفترض أن يكون أول المدافعين عن فتح الوثائق أمام البرلمان، خصوصاً أن القضية تتعلق بأموال عمومية وبسياسة أثرت مباشرة في غذاء المغاربة وقدرتهم الشرائية. أما الاحتماء بميثاق الأغلبية، فلا يجيب أسرة دفعت ثمناً مرتفعاً للأضحية، ولا مواطناً يسأل عن أثر الملايير التي دفعتها الدولة، بل يطرح سؤالاً أكبر: إذا كانت العملية سليمة وحققت أهدافها، فما الذي يمنع عرض تفاصيلها أمام المؤسسة التشريعية؟
وتزداد ثِقَل المسؤولية السياسية بالنظر إلى الحضور الطويل لحزب التجمع الوطني للأحرار على رأس وزارة الفلاحة منذ سنة 2007، من عزيز أخنوش إلى محمد صديقي ثم أحمد البواري،فهذه الاستمرارية تجعل الحزب في صلب المسؤولية السياسية عن الاختيارات الكبرى للقطاع، وعن تدبير سلاسل الإنتاج والاستيراد والتوزيع، وعن السياسات التي كان يفترض أن تحمي السوق من الاختلالات وتضمن وصول الدعم إلى الهدف الذي رُصد من أجله، أما وزارة الميزانية فتتولى تعبئة الموارد، وتوفير الاعتمادات، والتحكيم المالي، بينما يظل تدبير القطاع الفلاحي، وتتبع الإنتاج والاستيراد والتوزيع والأسواق، مرتبطاً بالوزارة الوصية ومصالحها،لذلك فإن حصر القضية في الجانب المالي يبتعد عن جوهرها؛ فالمغاربة يريدون معرفة من استفاد، ومن استورد، ومن راقب، ومن سمح بأن تنتهي سياسة دعم ضخمة بأسعار ظلت بعيدة عن قدرات أسر واسعة.
ورفض لجنة تقصي الحقائق لا يغلق القضية، وإنما يوسع دائرة الأسئلة حولها، فإذا كانت المعطيات سليمة، فإن فتحها أمام البرلمان يخدم الحزب قبل خصومه، وإذا كانت إجراءات الاستيراد حققت أهدافها، فالأرقام كفيلة بإثبات ذلك. وفي وسط هذا الجدل، تبرز عبارة فوزي لقجع حول «فضيلة الاعتراف بالخطأ» باعتبارها معياراً سياسياً واضحاً: السياسة العمومية التي تصيب أهدافها تقدم أرقامها، والتي تخفق تحتاج إلى من يملك شجاعة الاعتراف وتصحيح المسار،أما صرف المال العمومي ثم مطالبة المواطنين بتجاوز النتائج، فلا يصنع ثقة ولا يحمي المسؤولية. أزمة المواشي لم تعد قضية عيد مضى، بل أصبحت قضية مال عمومي، وأسماء استفادت، وسياسات نُفذت، وأسعار ظل المواطن يدفع ثمنها، ولذلك يبقى المطلوب واضحاً: افتحوا الملفات، انشروا لائحة المستفيدين، اكشفوا مسار الدعم، وضعوا الأرقام أمام المغاربة، فمن تولى القطاع سنوات طويلة عليه أن يتحمل وزر نتائجه السياسية كاملة، لا أن يختبئ خلف ميثاق حزبي كلما اقتربت الرقابة من أبواب المسؤولية.



