علاش تيفي
«إذا صفا القلب رقّت نغماته، وإذا امتلأت الروح بالمحبة صار الصوت مرآة لما استقر في أعماقها، فليس كل إنشاد طربًا، ولا كل نغمة وجدًا، وإنما المديح نفحة محبة، والسماع سفر في رحاب الروح، والقصيدة الصادقة باب من أبواب الصفاء».
في رحاب فاس، المدينة التي اختزلت عبر قرون طويلة ذاكرة المغرب العلمية والروحية، وتجاورت في فضائها العتيق أنفاس الزوايا بأصداء القصائد والمدائح، تتشكل حكايات رجال اختاروا أن يجعلوا من الفن رسالة، ومن الصوت أمانة، ومن التراث عهدًا لا تنقطع صلته بالماضي مهما اتسعت مسافات الحاضر، ومن بين هذه الأسماء يبرز المنشد شكيب سطي، الذي ارتبط منذ طفولته بفن المديح والسماع، واتخذ من محبة هذا الفن الأصيل مسارًا ممتدًا من التكوين والتعلم والممارسة، وصولًا إلى المشاركة في تظاهرات ثقافية وروحية داخل المغرب وخارجه.
إن مسيرة شكيب سطي ليست مجرد حكاية صوت جميل أو تجربة إنشادية عابرة، بل هي رحلة وفاء لفن تختزن طبقاته أبعادًا جمالية وروحية وإنسانية، وتستمد مكانتها من صلته بالذاكرة المغربية، ومن قدرته على الجمع بين عذوبة الأداء وسمو المعنى، وبين جمال النغمة ووقار القصيدة، في زمن أصبحت فيه المحافظة على أصالة الفنون التراثية مسؤولية ثقافية تتطلب الإخلاص والمعرفة والوعي بقيمة الموروث.
كانت البدايات الأولى لشكيب سطي مشبعة بالشغف بالإنشاد والتلاوة، إذ اعتاد منذ صغره المشاركة في حفلات عيد العرش، كما كان يتولى تلاوة القرآن الكريم بالتجويد وافتتاح حصص التربية الإسلامية، في تجربة مبكرة كشفت عن ميل واضح إلى الأداء الصوتي، وعن علاقة وجدانية تشكلت لديه تجاه الكلمة ذات البعد الروحي، ولم يكن هذا الميل محصورًا في المدرسة أو المناسبات الرسمية، بل امتد إلى دور الشباب والزوايا، حيث وجد في هذه الفضاءات مجالًا رحبًا لاكتشاف موهبته وتنمية اهتمامه بفن المديح والسماع.
وكان التحاقه بمدرسة رأس الشراطين بمدينة فاس محطة أساسية في مساره، إذ تتلمذ على يد شيخه الأول في هذا الفن، الحاج محمد بنيس، الذي تلقى عنه دروسًا في المديح والسماع، واستفاد من توجيهاته في مرحلة مبكرة من حياته، فكانت تلك التجربة بمثابة اللبنة الأولى في بناء شخصيته الإنشادية، وترسيخ صلته بمدرسة فنية تقوم على التلقي والتدرج واحترام أصول الأداء.
ومن تلك المرحلة انطلقت مشاركاته في عدد من المهرجانات المحلية والوطنية إلى جانب شيخه، كما شارك في عمل تلفزي مميز تمثل في تسجيل البردة الشريفة للإمام محمد بن سعيد البوصيري، رحمه الله، لفائدة القناتين الأولى والسادسة، وهي القصيدة التي تحتل مكانة رفيعة في الوجدان الإسلامي، بما تحمله من معانٍ في مدح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وبما تختزنه من جمال شعري جعلها واحدة من أبرز النصوص المؤسسة لمدرسة المديح النبوي.
وفي مسار المديح والسماع، لا تصنع الموهبة وحدها منشدًا متمكنًا، بل تتكامل مع التكوين والتجربة والإنصات إلى أهل الفن، وهو ما تجسده تجربة شكيب سطي الذي ظل وفيًا لشيوخه، مستحضرًا فضلهم في تكوينه، ومقدرًا ما تلقاه على أيديهم من معرفة وتوجيه، في صورة تعكس أصالة العلاقة بين الأستاذ والتلميذ داخل المدارس الفنية المغربية.
وبعد تجربته الأولى، التحق شكيب سطي بمجموعة أصوات فاس تحت إشراف المنشد سيدي نور الدين الطاهري، ليواصل مساره في فضاء جماعي أتاح له خوض تجارب متعددة، والمشاركة في تظاهرات فنية وثقافية داخل المغرب وخارجه، ولا يزال إلى اليوم عضوًا في هذه المجموعة، محافظًا على صلته بها، ومعتزًا بما راكمه من خبرة داخلها.
ولا يفوت شكيب سطي، وهو يستحضر محطات مساره الفني والروحي، أن يعبر عن امتنانه العميق لشيخه الثاني سيدي نور الدين الطاهري، تقديرًا لما أسداه إليه من توجيه وما أتاحه له من فرص للتعلم والتجربة، كما يستحضر بكل عرفان الفقيه محمد صفا، والحاج عبد القادر سبيبي، ومحمد القيسي، وأنس العلمي، هذه الثلة من المادحين الذين نهل من تجاربهم واستفاد من معارفهم وأذواقهم، فكان لكل واحد منهم نصيب في إغناء مسيرته وتعميق صلته بفن المديح والسماع.
إنها مدرسة لا تنتقل فيها الألحان وحدها، بل تتوارث فيها آداب المجالسة، وأخلاق التلقي، وأسرار الأداء، وصدق المحبة، ووفاء التلميذ لمن أخذ عنهم، وهي قيم تمنح التجربة الفنية عمقها الإنساني، وتؤكد أن الاعتراف بالفضل ليس مجرد مجاملة، بل هو جزء من أخلاق الفن الأصيل، ومن تقاليد المدارس المغربية التي تحفظ للشيوخ مكانتهم، وللتلاميذ واجب الوفاء والتقدير، سائلًا الله أن يجزي هؤلاء الشيوخ والمادحين عنه خير الجزاء، وأن يبارك في أعمارهم وأعمالهم، وأن يجعل ما قدموه لهذا الفن الأصيل في ميزان حسناتهم.
ولا يكتمل الحديث عن هذه المحطات الروحية دون استحضار الشيخ الجليل سيدي عبد الحق العطار، الذي تشرف شكيب سطي بمجالسته في زاوية العطار، حيث تكتسب المجالس الروحية معناها العميق باعتبارها فضاءات للتأمل والتربية والتشبع بقيم الأدب والمحبة، ومناسبات يستشعر فيها المرء أن المديح والسماع أكبر من مجرد أداء فني، وأن وراء جمال النغمة إرثًا من التربية الروحية، ووراء القصيدة ذاكرة من المحبة والتوقير، ووراء كل مجلس صادق أثرًا قد يبقى في الوجدان طويلًا بعد انفضاض أهله.
إن استحضار هذه الأسماء يكشف عن جانب أصيل في شخصية شكيب سطي، الذي لا ينظر إلى مسيرته باعتبارها إنجازًا فرديًا معزولًا، بل ثمرة مسار جماعي تعاقبت فيه جهود الشيوخ والمادحين وأهل التربية، وتكاملت فيه التجارب لتصنع وجدانًا فنيًا أكثر التصاقًا بأصول المديح والسماع، فالفن الأصيل لا يزدهر بالموهبة وحدها، وإنما يترسخ كذلك بالتواضع، والوفاء، وحفظ الجميل، والاعتراف لمن سبقوا بالفضل والعطاء.
وإلى جانب عضويته في مجموعة أصوات فاس، يتولى شكيب سطي رئاسة مجموعة المولى إدريس للمديح والسماع، التي تضم نخبة من المادحين بمدينة فاس، ويعمل من خلالها على مواصلة خدمة هذا الفن وإبراز غناه التعبيري، في تجربة جماعية تستحضر مكانة الإنشاد في الحياة الثقافية والروحية المغربية.
فقيادة مجموعة للمديح والسماع لا تقتصر على تنسيق الأصوات وتدبير المشاركات، بل تتطلب إدراكًا لخصوصية هذا الفن، وقدرة على الحفاظ على الانسجام بين عناصره، والحرص على أن يظل الأداء وفيًا لروح النصوص ومقاصدها، وأن يجمع بين جودة التنفيذ واحترام الموروث، وهو ما يجعل العمل الجماعي أحد أعمدة استمرارية هذا اللون الفني وتطوره.
ومن هذا المنطلق، تشكل مجموعة المولى إدريس امتدادًا عمليًا لارتباط شكيب سطي بالتراث، وفرصة للإسهام في إبقاء هذا اللون الفني حاضرًا في المشهد الثقافي، بما يتيح للأجيال الجديدة التعرف على جماليات المديح والسماع، واستكشاف ما يختزنه من قيم المحبة والتسامح والتعلق بالقصيدة الهادفة، في إطار يحترم الأصالة ويمنح الموروث فرصة متجددة للحضور والتفاعل.
وقد راكم شكيب سطي تجربة من خلال مشاركاته في عدد من التظاهرات التي تحتفي بالمديح والسماع والثقافة الصوفية والموسيقى الروحية، من بينها المهرجان الوطني للمديح والسماع، ومهرجان الثقافة الصوفية، ومهرجان الموسيقى الروحية، فضلًا عن مهرجان مكناس ومهرجان أصيلة، وهي محطات أتاحت له المشاركة في فضاءات ثقافية تتقاطع فيها الفنون مع الذاكرة والهوية.
وتكتسب هذه المشاركات أهميتها من كونها تسهم في التعريف بالتراث المغربي، وتمنح الممارسين لهذا الفن فرصة التواصل مع جمهور متنوع، بما يعزز حضوره داخل المشهد الثقافي، ويؤكد أن المديح والسماع ليسا مجرد تعبيرين عن ماض عريق، بل مكونان حيان من مكونات الهوية الفنية والروحية للمغرب.
ومن أبرز المحطات في هذا المسار مشاركته في تمثيل المغرب بدولة الكوت ديفوار، في إطار أنشطة مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، وهي تجربة تبرز البعد الإفريقي للثقافة المغربية، وتتيح استحضار دور الفنون الروحية في مد جسور التواصل بين الشعوب، وتبادل التجارب التي تجمع بين الخصوصيات المحلية والقيم الإنسانية المشتركة.
كما شملت تجربته التسجيلات التلفزية والإذاعية، والمشاركات المباشرة على أثير الإذاعة، والتسجيلات داخل الاستوديو، بما أسهم في توسيع فضاءات حضوره الفني ونقل صوته إلى جمهور يتجاوز حدود المجالس والمهرجانات، لتصبح التجربة الإنشادية جزءًا من ذاكرة مسموعة يمكن أن تصل إلى محبي هذا الفن أينما كانوا.
وقد حصل شكيب سطي على بطاقة الفنان من وزارة الثقافة، بما يعكس ارتباطه بالممارسة الفنية، ويشكل محطة ضمن مساره الذي اختار فيه الاستمرار في خدمة المديح والسماع، وتطوير تجربته من خلال التكوين والمشاركة والانفتاح على فضاءات العرض المختلفة.
ما يمنح تجربة شكيب سطي خصوصيتها هو ذلك التلاقي بين عذوبة الصوت والشغف بالموروث، وبين الحس الفني والارتباط الوجداني بالمديح والسماع، فالصوت الشجي يكتسب قيمته الحقيقية حين يحمل المعنى بصدق، وحين تتجاوز النغمة حدود الاستعراض لتصبح وسيلة لاستحضار روح القصيدة والتفاعل مع دلالاتها.
وفي هذا الفن، تظل العناية بالكلمة أساسًا من أسس جمال الأداء، لأن القصيدة المادحة ليست نصًا يكتمل بمجرد ترتيله، بل بناء شعري تتداخل فيه اللغة بالعاطفة، وتلتقي فيه الصورة الأدبية بالمعنى الروحي، وهو ما يجعل الإنشاد المتمكن فعلًا فنيًا يحتاج إلى معرفة النص وفهمه، وإلى حساسية صوتية قادرة على التعبير عن جماله دون الإخلال بأصالته.
ومن هنا تبرز أهمية المنشدين الذين يواصلون حمل هذا الإرث، ويمنحونه من جهدهم وتجربتهم ما يساعد على انتقاله بين الأجيال، بعيدًا عن الاختزال الذي يحول الفنون التراثية إلى مجرد عروض عابرة، فصون المديح والسماع مسؤولية تتقاطع فيها جهود الفنانين والمؤسسات الثقافية والجمهور، وتحتاج إلى توثيق التجارب، والعناية بالتكوين، وفتح المجال أمام الشباب للتعرف على المدارس المغربية الأصيلة.
ولا يمكن فصل تجربة شكيب سطي عن مدينة فاس، بما تمثله من عمق تاريخي وروحي، وما راكمته من تقاليد في العلم والتصوف والموسيقى الروحية، فقد ظلت المدينة فضاءً لتناقل المعارف والأذواق، ومجالًا تتجاور فيه الذاكرة الدينية مع الإبداع الفني، وهو ما يمنح أبناءها المنشدين مسؤولية إضافية في الحفاظ على هذا الرصيد وتقديمه للأجيال الجديدة.
ومن هذا الأفق، تكتسب تجربة شكيب سطي معناها بوصفها مسارًا يجمع بين التكوين على أيدي الشيوخ، والممارسة ضمن المجموعات الفنية، والمشاركة في المهرجانات، والانفتاح على التجارب الدولية، مع الاستمرار في حمل مشعل المديح والسماع من داخل مدينة ارتبط اسمها بألوان من الإبداع الروحي المغربي.
إنها رحلة لا تختزلها المشاركات ولا تختصرها التسجيلات، لأن جوهرها يكمن في الوفاء لفن ارتبط بالوجدان، وفي الإيمان بأن التراث لا يحيا بالحنين وحده، بل يحتاج إلى من يمارسه ويصونه ويمنحه شروط الاستمرار، وإلى أصوات تدرك أن المحافظة على الأصالة ليست انغلاقًا على الماضي، بل مسؤولية تجاه المستقبل.
وهكذا يواصل شكيب سطي مساره بين رحاب فاس وآفاق الحضور الدولي، مستندًا إلى تجربة بدأت في الطفولة، وتطورت بالتعلم والممارسة، وتعززت بالعمل الجماعي مع مجموعة المولى إدريس للمديح والسماع ومجموعة أصوات فاس، وبما تلقاه من شيوخه وأهل الفن من توجيه ومعرفة، ليظل اسمه مرتبطًا برحلة فنية وروحية عنوانها الوفاء، وغايتها الإسهام في صون واحد من أعرق ألوان التعبير المغربي.
فحين يصدح المديح في صوت صادق، تستعيد القصيدة شيئًا من نورها، ويجد التراث طريقه إلى وجدان الأجيال، وتصبح النغمة جسرًا بين الماضي والحاضر، وبين جمال الفن وعمق الروح، وتلك هي الرسالة التي يمنحها هذا المسار معناه الأجمل، رسالة تؤكد أن المديح والسماع ليسا مجرد ذاكرة نحتفي بها، بل أمانة ثقافية وروحية تستحق أن نحفظها، وأن نصون هيبتها، وأن نترك للأجيال القادمة فرصة الإصغاء إليها بقلب يعرف قيمة المحبة وجمال الكلمة.


