متابعة: أمين صادق
في مفارقة فلاحية غير مسبوقة، وجد مزارعو الزيتون بالمغرب أنفسهم أمام موسم كان يفترض أن يكون استثنائياً من حيث وفرة الإنتاج، لكنه تحول إلى أزمة تسويقية خانقة تهدد بضياع تعب أشهر طويلة، بعدما أثقلت الثمار أغصان الأشجار، بينما غابت الأيدي التي اعتادت اقتناء المحصول من قلب الحقول.
المشهد هذه المرة مختلف تماماً؛ فلا الحقول تشكو قلة الغلة، ولا الأشجار تعاني ضعف الإنتاج، بل الأزمة في سوق أصابه ركود مقلق، وأبوابه التي كانت مفتوحة أمام التجار والوسطاء أضحت شبه موصدة. الفلاح ينتظر المشتري، والمحصول ينتظر الجني، والوقت يمضي على حساب جودة الثمار وتكاليف الإنتاج.
الأكثر إثارة للقلق هو الاختفاء المفاجئ للوسطاء المعروفين بـ«الشناقة»، الذين كانوا يتنقلون بين الضيعات ويتنافسون على اقتناء المحاصيل قبل جنيها، ويتكفلون بمصاريف النقل والعصر. أما اليوم، فقد وجد الفلاح نفسه مضطراً للبحث بنفسه عن مشترين، بل إن بعض المنتجين لجؤوا إلى مواقع التواصل الاجتماعي لعرض محصولهم، في مشهد يعكس حجم الاختناق الذي أصاب هذه السوق.
من إقليم وزان، ينقل الفلاح كريم مفتاح صورة عن واقع يثير القلق، مؤكداً أن الهكتارات مملوءة بالزيتون، لكن المشترين غائبون، بعدما برر الوسطاء ابتعادهم بامتلاء المعاصر بمخزون الموسم الماضي.
وفي تاونات، حيث يشكل الزيتون ركيزة أساسية للنشاط الفلاحي، تتضاعف معاناة المنتجين بفعل ارتفاع كلفة الجني، إذ تصل أجرة العامل الواحد إلى ما بين 170 و200 درهم يومياً، مع ندرة اليد العاملة وارتفاع أسعار المحروقات والأدوية والمستلزمات الفلاحية. وهكذا يجد الفلاح نفسه محاصراً بين محصول يحتاج إلى الجني وسوق لا تقدم له ضمانات لتصريفه.
أما في قلعة السراغنة، فقد بلغ الإحباط ببعض الفلاحين حد نشر نداءات عبر «فيسبوك» بحثاً عمن يشتري محصولهم، بعدما كان البيع يتم في المواسم السابقة والثمار لا تزال معلقة بالأشجار. تحول غير مألوف يطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل تسويق الزيتون بالمناطق المنتجة.
وببني ملال، لا تبدو الصورة أفضل حالاً، إذ تشير إفادات مهنيين إلى استمرار وجود مخزونات مهمة من زيت الموسم الماضي داخل المعاصر، وهو ما ساهم في تراجع الطلب على المحصول الجديد، ليجد الفلاح نفسه أمام معادلة قاسية: إما البيع بثمن قد لا يغطي حتى مصاريف الإنتاج، أو ترك الزيتون فوق الأشجار ومواجهة خطر التلف وفقدان الجودة.
المفارقة الصادمة أن الفلاح الذي ظل لسنوات يواجه الجفاف وقلة المحصول، أصبح اليوم يعاني من وفرة الإنتاج نفسها!
لكن خلف هذا الركود تختبئ أسئلة أكبر من مجرد غياب التجار: هل يعاني قطاع الزيتون من اختلالات بنيوية في منظومة التسويق والتخزين والتوزيع؟ ولماذا لا تتحول مواسم الإنتاج الوفير إلى فرصة اقتصادية حقيقية للمنتجين؟ وأين دور الجهات الوصية في مواكبة الفلاحين وحماية مجهودهم من تقلبات السوق؟
إن ترك الفلاح وحيداً في مواجهة هذه الأزمة يعني عملياً تحميله وحده كلفة اختلالات تتجاوز قدرته وإمكاناته. فليس من المقبول أن يستثمر المنتج في الأرض والماء واليد العاملة والمستلزمات الفلاحية، ثم يجد نفسه عاجزاً عن بيع محصوله عندما يحين موعد الحصاد.
اليوم، لم تعد القضية مجرد أزمة بيع وشراء، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى قدرة منظومة تسويق المنتوجات الفلاحية على حماية المنتج الوطني.
فمن ينقذ محصول الزيتون قبل فوات الأوان؟ ومن يتدخل لإنصاف الفلاح الذي انتظر موسماً وفيراً، ليجد نفسه أمام حقول مليئة بالثمار وسوق خالية من المشترين؟


