تروي الأسطورة الإغريقية حكاية بروكرست، قاطع الطريق الذي كان يستدرج المسافرين إلى منزله، ثم يمددهم على سرير حديدي، فإذا زاد طول أحدهم عن مقاس السرير قطع أطرافه، وإذا قصر عنها شد جسده حتى يمزقه، كان يريد إخضاع الجميع لمقاس واحد، ولو كان الثمن تشويههم.
ولعل أكثر ما يبعث على التأمل في هذه الأسطورة أن بروكرست لم يكن يبحث عن التوافق، ولا يؤمن بالتعدد، ولا يقبل باختلاف المقاسات، بل كان يريد عالماً على صورته، خاضعاً لمسطرة واحدة يحددها بنفسه، لا مكان فيه للاستقلال أو التمايز أو الخروج عن الطاعة، وهي صورة رمزية تستحضر، في سياقنا المعاصر، ذلك النمط من الأشخاص الذين لا يكتفون بممارسة نفوذهم داخل المجال الذي يتحركون فيه، بل يسعون إلى بسط ظلالهم على كل المجالات، وكأن السياسة والإعلام والاقتصاد والعقار والإدارة والقضاء، ليست مؤسسات وفضاءات مستقلة، وإنما امتدادات لمجال نفوذهم الشخصي.
في المغرب، كما في مجتمعات أخرى، يطرح تمدد النفوذ غير الرسمي أسئلة عميقة حول طبيعة السلطة، وحدود تأثير المال، وموقع المؤسسات في مواجهة شبكات المصالح، فثمة فرق شاسع بين من يمارس حقه المشروع في الاستثمار والتأثير والمشاركة في الحياة العامة، وبين من يتوهم أن امتلاك الثروة أو تشابك العلاقات أو القرب من مراكز القرار يمنحه حق الوصاية على الآخرين، والتدخل في شؤون لا تدخل ضمن اختصاصه، أو التأثير في مسارات يفترض أن تحكمها القوانين والمساطر والمؤسسات.
إن الإشكال لا يتعلق بمجرد شخص واسع العلاقات، أو رجل أعمال متعدد المصالح، أو فاعل سياسي يمتلك امتدادات في أكثر من قطاع، وإنما يبدأ حين يتحول النفوذ من وسيلة للتأثير المشروع إلى أداة للاستحواذ، وحين تتجاوز العلاقات حدود التواصل الطبيعي لتصبح شبكة من المصالح المتبادلة، وحين يغدو الوصول إلى المعلومة أو القرار أو الامتياز رهيناً بالقرب من أشخاص لا يحملون بالضرورة صفة رسمية، لكنهم يتصرفون، في بعض السياقات، كما لو كانوا أصحاب الكلمة الفصل.
هنا نكون أمام ما تصفه الأدبيات السياسية بمفاهيم من قبيل السلطة غير الرسمية، وشبكات النفوذ، والرأسمالية الزبونية، والاستحواذ على الدولة، وهي مفاهيم لا يجوز استعمالها جزافاً، لكنها تتيح فهم الكيفية التي يمكن أن تتشابك بها المصالح الاقتصادية والسياسية والإعلامية، إلى درجة يصبح معها النفوذ الشخصي أقوى من القواعد العامة، وتتحول العلاقات الخاصة إلى ممرات خلفية لتدبير الشأن العام، ويصبح الامتياز أقرب إلى مكافأة على الولاء منه إلى نتيجة للاستحقاق والكفاءة.
والأخطر من ذلك أن بعض أشكال النفوذ لا تكتفي بالتأثير في القرار، بل تسعى إلى تطويع الفضاء العام برمته، فتريد إعلاماً لا يزعج، وسياسة لا تعترض، وإدارة لا تسأل، واستثماراً لا ينافس، وقضاءً لا ينبغي أن يكون موضع أي ضغط أو تدخل، مع أن استقلال القضاء ليس مجالاً للمساومة، وأن حرية الصحافة ليست منحة من أصحاب المال أو النفوذ، وأن المؤسسات الدستورية لا تستمد مشروعيتها من رضا الأفراد، بل من القانون والاختصاص والمساءلة.
إننا أمام سؤال يتجاوز الأشخاص إلى بنية العلاقات التي تسمح بتضخم النفوذ خارج الضوابط، فمن يراقب أصحاب المصالح حين تتداخل أدوارهم؟ ومن يضمن ألا تتحول العلاقات الشخصية إلى قنوات لتوزيع الامتيازات؟ ومن يحمي الصحافي حين يقترب من مناطق المصالح المتشابكة؟ ومن يمنع تحويل الاختلاف السياسي أو المهني إلى مناسبة للضغط والتشهير وتصفية الحسابات؟ ثم أين تنتهي حرية الفرد في بناء علاقاته ومشاريعه، وأين يبدأ واجب احترام المؤسسات وعدم مصادرة اختصاصاتها؟
ليست المشكلة في وجود مراكز تأثير متعددة داخل المجتمع، فالتعدد في المصالح والآراء والفاعلين جزء من حيوية الدولة والمجتمع، وإنما المشكلة في قيام مراكز نفوذ غير خاضعة للشفافية والمحاسبة، تحاول أن تمارس أدواراً لا تمنحها إياها القوانين، أو أن تفرض على المؤسسات إيقاعها الخاص، أو أن تجعل من العلاقات الشخصية بديلاً عن المساطر القانونية وتكافؤ الفرص.
ومن هنا تبرز خطورة ما يمكن تسميته بالبروكرستيين الجدد، أولئك الذين لا يريدون للمؤسسات أن تعمل وفق اختصاصاتها، بل وفق مقاساتهم، ولا يرغبون في وجود فاعلين مستقلين، بل في محيط من التابعين والمسايرين، ولا يتقبلون صحافة تطرح الأسئلة، أو سياسة تمارس المعارضة، أو إدارة تحتكم إلى القانون بعيداً عن الإشارات والوساطات، إنهم، في هذه الصورة المجازية، لا يكتفون بالجلوس إلى جانب سرير بروكرست، بل يريدون أن يصبحوا هم من يحدد طوله وعرضه، ومن يقرر من يستحق البقاء فوقه ومن ينبغي تقليم أجنحته.
الدولة القوية لا تقاس بعدد الأشخاص الذين يستطيعون التأثير في دواليبها من وراء الستار، ولا بحجم الثروات التي تتشابك مع القرار، ولا بمدى اتساع شبكات الوساطة والمحسوبية، بل بقدرتها على فرض القانون على الجميع، وحماية المؤسسات من الاختراق، وضمان استقلال القضاء، وصيانة حرية الإعلام، وتكريس المساواة أمام الفرص والمسؤوليات.
وليس في مساءلة النفوذ استهداف للأشخاص، ولا في المطالبة بالشفافية عداء للاستثمار، ولا في الدفاع عن استقلال المؤسسات خصومة مع أصحاب المبادرات والثروات، فالمعيار هو احترام القانون، والتمييز بين التأثير المشروع والتدخل غير المشروع، وبين المنافسة الاقتصادية والاحتكار، وبين العلاقات الطبيعية وشبكات المحاباة، وبين حرية التعبير ومحاولات إخضاع المجال الإعلامي لموازين القوة والمال.
إن المغرب، بما راكمه من مؤسسات دستورية وإصلاحات سياسية وقانونية، في حاجة دائمة إلى تحصين المجال العام من كل أشكال الوصاية، سواء جاءت بلباس سياسي أو اقتصادي أو إعلامي أو اجتماعي، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة ليس فقط ضعف مؤسساتها، وإنما أن تتحول هذه المؤسسات إلى واجهات شكلية، فيما تصنع القرارات الحقيقية في دوائر مغلقة لا تخضع للمساءلة ولا يعرف المواطن حدود سلطتها أو مصادر نفوذها.
لقد انتهى زمن بروكرست في الحكاية، لكن منطقه يظل قابلاً للتكرار كلما ظهر من يعتقد أن المجتمع ينبغي أن يُفصّل على مقاسه، وأن المؤسسات مطالبة بالانحناء أمام نفوذه، وأن القانون قابل للتأويل وفق مصالحه، والحقيقة التي ينبغي أن تكون واضحة هي أن الدولة ليست سريراً حديدياً في ملكية أحد، والمؤسسات ليست ضيعة خاصة، والمواطنون ليسوا أجساداً ينبغي بتر ما زاد منها أو شد ما قصر حتى يلائم مقاسات أصحاب النفوذ.
تلك هي المعركة الحقيقية: أن تكون السلطة للقانون، لا للوساطة، وأن يكون الاعتبار للمؤسسات، لا للأشخاص، وأن تظل المصلحة العامة فوق شبكات المصالح الخاصة، فلا أحد، مهما اتسعت ثروته أو تشعبت علاقاته أو تضخم نفوذه، يملك الحق في أن يتحول إلى دولة داخل الدولة.


