لا يخفى على أحد أن قطاع العدالة بالمغرب يعيش خلال الآونة الأخيرة على وقع اضطراب وطني غير مسبوق، بفعل التوقف الشامل للمحامين عن أداء خدماتهم المهنية، أو بالأحرى بفعل سوء المسار التشريعي الأحادي، اللاتشاركي، و اللادستوري، الذي نحاه مشروع قانون مهنة المحاماة بمباركة من السيد وزير العدل ومن معه و بعده…، المسار الذي لم يكتف بإفراغ الحوار المؤسساتي من مضمونه، بل جرّده، مرة بعد أخرى، من قيمته الدستورية والرمزية، في مشهد لا يسيء إلى المحاماة وحدها، وإنما إلى صورة دولة الحق والقانون والمؤسسات، التي ظلت، إلى عهد قريب، محل تقدير واحترام داخل المنتظم الدولي، أحيانا بنكث الاتفاقات و العهود و أخرى بالتنكر لها ، ليتجاوز الأمر ذلك إلى شن حملات ممنهجة لاستهداف المحامين أفرادا و مؤسسات، لا بمنطق السياسة، ولا بأخلاق المهنة، ولا بقواعد القانون، تارة بالتشكيك في كفاءاتهم، و أخرى بالطعن في ذممهم بغير وجه حق، وكأن أصحاب هذه الادعاءات يجهلون قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43].
غير أن سمو رسالة المحاماة أكبر من أن تنال منها دعاوى باطلة، وأشرف من أن تهزها حملات تحامل أو تشويه، فكل محاولة لاستهدافها أو استعدائها لا تزيد الجسم المهني للمحاماة إلا وحدة و صمودا وصلابة و اصرارا على صون استقلاله والدفاع عن رسالته بكل ما أوتي من قوة و مهما كلفه الأمر.
إن قضية المحاماة في المغرب ليست قضية فئة مهنية تدافع عن امتيازاتها، كما يحاول البعض تصويرها، وإنما هي قضية كل المغاربة، أو بالأحرى قضية وطن بأكمله؛ قضية احترام للدستور، وسيادة للقانون، وصيانة للتوجه الديمقراطي الذي إختاره المغرب بشكل لا رجعة فيه طبقا لدستور المملكة لسنة 2011، سعيا لبناء دولة الحق و القانون والمؤسسات.
ولعل ما ينبغي أن يدركه الجميع اليوم، داخل الوطن وخارجه، أن المحاماة المغربية لا تخوض معركتها دفاعا عن المحامي في شخصه، وإنما دفاعا عن الحق في الدفاع باعتباره إحدى أعظم ضمانات المحاكمة العادلة، فكيف لمحام أن يؤدي رسالته باستقلال وجرأة، وهو مهدد في كل لحظة بسيف التأديب، حتى وهو يمارس حقه وواجبه داخل قاعة الجلسات؟ و أي مسار تشريعي لا تشاركي هذا الذي يراد لقانون مهنة المحاماة ظلما و عدوانا ؟
إن المطلوب، في نهاية المطاف، ليس مجرد تقييد المحامي، بل صناعة محام خاضع، متردد، يخشى أداء رسالته كاملة، وحين يُراد للمحامي أن يخاف، فإن أول من يدفع الثمن هو المواطن المظلوم، لأن باب العدالة يُغلق في وجهه، و إن بقيت المحاكم مفتوحة. لقد تم المساس بجوهر دستور المملكة لسنة 2011 من خلال إعدام مبدأ الديمقراطية التشاركية في صناعة قانون المهنة، وهو إخلال يمس بشرعية المسار التشريعي من أساسه، ولا يمكن لعرض النص على المحكمة الدستورية أن يسبغ عليه الشرعية التي افتقدها منذ لحظة صياغته.
كما أن الدفع بعدم دستورية بعض المقتضيات لا يمثل سوى جزء محدود من المطالب المهنية للمحامين، لأن اختصاص المحكمة الدستورية ينحصر في مراقبة مدى مطابقة النص للدستور، ولا يمتد إلى معالجة الاختلالات التشريعية الناجمة عن تغييب المقاربة التشاركية في صياغة باقي المقتضيات القانونية، وهي اختلالات قائمة بذاتها، بغض النظر عن مدى دستوريتها.
إن تغييب مبدأ الديمقراطية التشاركية في صناعة القوانين لا يمكن اعتباره مجرد هفوة إجرائية، بل هو انحراف خطير عن الفلسفة الدستورية التي أقرها دستور 2011، ويكشف عن مسار تشريعي معيب يستوجب المراجعة والتصحيح، صوناً لدولة الحق والقانون، واحتراماً للمؤسسات الدستورية، وترسيخاً للشرعية التي لا تقوم على سلامة النص وحدها، وإنما على سلامة المسار الذي أنتجه.
وفي خضم هذه المعركة المهنية التشريعية الدستورية، يبرز من حين إلى آخر بعض الانتهازيين الذين جعلوا من المواقف سلعة، ومن المبادئ وسيلة للاسترزاق، تراهم يسارعون لإعلان تضامنهم مع المحاماة والدفاع عنها، وكأنها في حاجة إلى شهادات تبرئة و حسن سلوك منهم… هنا وجب التذكير بحقيقة لا تقبل الجدل: إن القضايا العادلة لا تحتاج لمن يدافع عنها…، بل تدافع عن نفسها بنفسها؛ فهي بقوة عدالتها تدافع عن نفسها بنفسها، والمحاماة، بما تمثله من رسالة سامية وقيمة دستورية، ليست استثناء من هذه القاعدة، بل هي أحد أصدق تجلياتها.
*ذ. شيكي حمزة محام بهيئة القنيطرة و عضو جمعية اتحاد المحامين الشباب بهيئة القنيطرة*




