ملف «لاسامير» لا يحتاج إلى خطابات شعبوية ولا إلى توزيع صكوك البراءة والإدانة. فالحكومة التي تبرر عدم إعادة تشغيل المصفاة بحجم الديون والنزاع القضائي ومنطق السوق الحرة مطالبة بتقديم حلول واضحة بدل الاكتفاء بتعداد العراقيل، لكن في المقابل، فإن تقديم التأميم أو إعادة التشغيل وكأنهما عصا سحرية ستخفض أسعار المحروقات تلقائياً، ليس أقل تضليلاً للرأي العام. فالمصفاة ليست ملكاً للدولة اليوم، وملفها المالي والقضائي معقد، وأي قرار بشأنها له كلفة ومسؤوليات قانونية واقتصادية لا يمكن القفز عليها بالشعارات.
والأغرب أن بعض الخطابات السياسية تتحدث عن «لاسامير» وكأن إعادة تشغيلها ستنهي تلقائياً معاناة المغاربة مع أسعار المحروقات، في حين أن السوق لا تُختزل في وجود مصفاة من عدمه. المطلوب هو كشف الحقيقة كاملة: من يتحمل مسؤولية الوضع الذي وصلت إليه الشركة؟ من استفاد ومن خسر؟ وما حجم الكلفة التي سيتحملها المال العام إذا اختارت الدولة التدخل؟ ومن يضمن ألا يتحول أي إنقاذ جديد إلى فاتورة أخرى يؤديها المواطن؟
وفي الجهة المقابلة، لا يمكن تحويل كل نقاش حول المحروقات إلى اتهام جاهز للحكومة أو «لوبي المحروقات»، كما لا يمكن إعفاء الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين الذين تعاقبوا على تدبير هذا الملف من مسؤولياتهم. المواطن لا يحتاج إلى معارك كلامية بين هذا الطرف وذاك، بل يحتاج إلى منافسة حقيقية، وشفافية في الأسعار، وقواعد واضحة تمنع استغلال السوق، وتضمن أن لا يتحول المستهلك إلى الحلقة الأضعف في كل مرة.
الخلاصة أن «لاسامير» ليست ورقة انتخابية تُرفع عند الحاجة، ولا شماعة تُعلّق عليها كل مشاكل المحروقات. من يريد الدفاع عن إعادة تشغيلها فليقدم دراسة دقيقة لكلفتها وجدواها، ومن يرفض ذلك فليقدم بديلاً مقنعاً، ومن يتحدث عن حماية المواطن فليشرح بالأرقام كيف سيحققها. أما تحويل الملف إلى صراع بين «حكومة سيئة» و«حل سحري» اسمه «لاسامير»، فليس سوى مزايدة سياسية جديدة يدفع ثمنها المواطن بينما يستمر الجميع في تبادل الاتهامات.



