واكتبوا على قبري ورقة هذا مُحبٌّ قد احترق .. صراع المرض ووجع البُعد والحنين يحرّك مشاعر محبّي رشيد غلام.

2 دقائق قراءة

في لحظةٍ تتكاثف فيها المعاني وتتعرّى الأرواح من صلابتها الظاهرة، يمرّ اسم رشيد غلام كنسمةٍ حزينة، محمّلةٍ بندى الذكرى وحرارة الحضور، لا كصوتٍ عابر، بل كأثرٍ عميقٍ في الوجدان، كأنما خُلق ليكون عزاءً خفياً لكل قلبٍ يعرف معنى الشوق، ويذوق مرارة البُعد

لم يكن المرض الذي ألمّ به مجرد خبرٍ يُتداول، بل كان رجفةً في قلوب محبّيه، وجرحاً خفياً امتدّ في صدور من ألفوا صوته، واستأنسوا بأنفاسه وهي تتلو الجمال في أبهى صوره، صار الداء هنا امتحاناً للمحبّة، وصار الصبر مقاماً لا يُدرك إلا لمن عرف كيف يُحبّ بصمت، وكيف يدعو بصدق

وفي خضم هذا الصراع الصامت بين الجسد المنهك والروح المتّقدة، يتسلّل الحنين كخيط نورٍ دافئ، يربط البعيد بالقريب، ويجمع بين قلوبٍ لم تلتقِ يوماً، لكنها اجتمعت على محبّة هذا الصوت، صوتٌ لم يكن مجرّد أداء، بل كان حالةً من الصفاء، ومرآةً لشيءٍ أعمق من الكلمات

تعود العبارة، كأنها نبوءةٌ رقيقة، أو اعترافٌ مبكر بحقيقة الاحتراق الجميل، «واكتبوا على قبري ورقة: هذا مُحبٌّ قد احترق»، لكنها اليوم لا تُقرأ بحزن الفقد فقط، بل تُستعاد كعلامةٍ على حياةٍ امتلأت بالصدق، وعلى روحٍ اختارت أن تحترق لتُضيء للآخرين دروبهم

وجع البُعد هنا ليس غياباً مادياً فحسب، بل هو ذلك الفراغ الذي يتركه الصوت حين يختفي، وتلك المسافة التي تتّسع بين الذكرى واللحظة، بين ما كان وما نرجوه أن يعود، فيكبر الحنين، ويصير الدعاء لغةً مشتركة، لا تحتاج إلى ترجمة، ولا إلى موعد

وفي هذا المشهد الإنساني المبلّل بالأسى، يتجلّى معنى الوفاء في أنقى صوره، لا صخب فيه ولا ادّعاء، فقط قلوبٌ تنبض باسم رشيد غلام، وأيادٍ مرفوعة إلى السماء، ترجوه شفاءً يليق بصوته، وعودةً تشبه حضوره

هكذا، بين صراع المرض وامتداد الحنين، لا يكون الحزن نهاية الحكاية، بل فصلها الأعمق، حيث يُختبر الحب، ويُكتب البقاء بصيغةٍ أخرى، صيغةٍ لا تعتمد على الجسد وحده، بل على الأثر، والأثر هنا… باقٍ، ما بقي في القلوب متّسعٌ

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

Leave a Reply