لا يمكن قراءة القرار الذي أعلنه الديوان الملكي المغربي بشأن تعيين الأمير مولاي الحسن منسقاً لمكاتب ومصالح القيادة العامة لـالقوات المسلحة الملكية خارج منطق الدولة العميق في تدبير توازنات السلطة داخل الحقل السيادي إذ يتجاوز التعيين بعده الوظيفي ليطرح باعتباره لحظة مفصلية في إعادة هندسة العلاقة بين الزمنين السياسي والمؤسساتي داخل النظام المغربي تحت إشراف الملك محمد السادس.
فالمنصب في جوهره لا يتعلق بوظيفة تقنية محدودة بل يشكل موقعاً استراتيجياً في قلب بنية القرار العسكري حيث تمر عبره قنوات التنسيق بين مختلف الأجهزة والمصالح وهو ما يعني عملياً تموقع ولي العهد داخل “العصب الصلب” للسلطة السيادية بما يتيح له الاطلاع المباشر على ديناميات صناعة القرار الأمني والعسكري وعلى توازناته الدقيقة بين القيادة المركزية وباقي المتدخلين المؤسساتيين.
ومن هذا المنطلق يندرج القرار ضمن ما يمكن تسميته بـ”التنشئة السيادية” التي لا تعتمد فقط على التمثيل الرمزي بل على الإدماج الفعلي في دواليب القرار وهو اختيار يعكس وعياً بأن انتقال السلطة في الأنظمة الملكية الحديثة لم يعد مجرد حدث دستوري بل مسار طويل من التراكم العملي والتجريب داخل مؤسسات الدولة الأكثر حساسية.
ويكتسب هذا التعيين عمقه التاريخي من خلال استعادته لتجربة سابقة عاشها الملك محمد السادس نفسه حين كلفه الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1985 بالمهمة ذاتها وهو ما يكشف عن وجود “ذاكرة مؤسساتية” داخل الدولة المغربية تقوم على إعادة إنتاج نفس الآليات لضمان الاستمرارية لكن مع تكييفها مع السياقات الجديدة وهو ما يمنح القرار بعداً يتجاوز الشخصي نحو النسقي.
غير أن القراءة الأعمق تقود إلى اعتبار الخطوة جزءاً من إعادة توزيع مدروس للأدوار داخل الحقل السيادي حيث تحتفظ المؤسسة الملكية بمركزيتها الكاملة في القرار الاستراتيجي لكنها في المقابل تفتح المجال أمام إشراك تدريجي للجيل الجديد في تدبير الملفات الكبرى بما يضمن مرونة أكبر في الأداء واستمرارية في الرؤية دون حدوث قطيعة أو ارتباك مؤسساتي.
وفي سياق إقليمي يتسم بتزايد التحديات الأمنية وتداخل الأبعاد العسكرية مع الرهانات الجيوسياسية والاقتصادية فإن تموقع ولي العهد داخل منظومة القيادة العسكرية يمنح المغرب أفقاً استراتيجياً يقوم على استباق التحولات بدل الاكتفاء بالتفاعل معها كما يعزز قدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي في محيط متغير.
كما أن هذا التعيين يعكس تحولاً في طبيعة المؤسسة العسكرية نفسها التي لم تعد مجرد جهاز تقليدي للدفاع بل فاعلاً متعدد الأدوار يشتغل في مجالات إنسانية وتنموية وهو ما يفرض وجود قيادة قادرة على استيعاب هذا التعقيد وعلى تدبيره بمنطق شمولي يجمع بين البعد الأمني والبعد المجتمعي.
وفي العمق يؤسس القرار لمرحلة جديدة تقوم على مزاوجة دقيقة بين الاستمرارية والتجديد حيث يتم الحفاظ على ثوابت النظام من خلال نفس القنوات المؤسساتية وفي الآن ذاته يتم إدخال عناصر دينامية عبر تمكين ولي العهد من ممارسة فعلية داخل مراكز القرار وهو ما يعكس تصوراً استراتيجياً يعتبر الزمن السياسي استثماراً يجب تدبيره بذكاء وليس مجرد معطى عابر.
هكذا يتحول التعيين من إجراء إداري إلى رسالة سياسية عميقة مفادها أن الدولة المغربية تشتغل بمنطق التراكم والتحكم في الزمن وأن انتقال الأدوار داخلها يتم وفق هندسة دقيقة تضمن استقرار النظام واستمرارية مؤسساته دون مفاجآت أو اهتزازات.

