لم يعد ملف “المرحوم بدر” مجرد قضية جنائية عادية تتنازعها دفوع الأطراف، بل تحوّل، مع توالي المستجدات، إلى اختبار حقيقي لمدى صلابة المسار الإجرائي وقدرته على احتواء كل عناصر الحقيقة دون نقصان.
آخر هذه المستجدات، وأكثرها إرباكاً لمسار الملف، يتمثل في الكشف عن إسقاط أربع صفحات كاملة من تقرير الخبرة الطبية والإبقاء على صفحة واحدة فقط خلال المرحلة الابتدائية، وهو معطى لا يمكن قراءته اليوم إلا باعتباره نقطة تحوّل مفصلية بدأت معها ملامح انقلاب موازين القضية تلوح بوضوح في الأفق.
فالخبرة الطبية، في هذا النوع من القضايا، ليست مجرد وثيقة تقنية تكميلية، بل هي العمود الفقري الذي تُبنى عليه القناعة القضائية، خاصة في ما يتعلق بتحديد السبب الحقيقي للوفاة وربطها بالفعل الإجرامي المفترض. ومن ثم، فإن اختزال تقرير من عدة صفحات في صفحة واحدة فقط خلال مرحلة حاسمة كمرحلة الحكم الابتدائي لا يمكن اعتباره خطأً عابراً أو سهوًا بسيطاً، بل هو خلل إجرائي جسيم يرقى إلى مستوى التشكيك في سلامة الأساس الذي بُنيت عليه الخلاصات السابقة.
الأخطر من ذلك أن هذا النقص الفادح لم يُثر في حينه، ما يطرح سؤالاً حاداً ومباشراً: كيف تم تقييم دليل علمي بهذا الوزن في ظل غياب أغلب مكوناته؟ وهل كانت القناعة القضائية آنذاك قائمة على جزء محدود من الحقيقة، في حين تم إغفال باقي العناصر التي قد تحمل معطيات حاسمة؟ في ميزان القانون، الأمر واضح؛ فكل دليل مبتور يفقد جزءاً كبيراً من حجيته، وكل قناعة تُبنى على أساس مجتزأ تظل مهددة بالانهيار بمجرد استكمال الصورة الكاملة.
اليوم، ومع إثارة هذا المعطى أمام هيئة المحكمة في المرحلة الاستئنافية، لم يعد النقاش محصوراً في تفاصيل تقنية، بل انتقل إلى صلب الحقيقة نفسها. طلب الدفاع، الرامي إلى الاطلاع على الصفحات الأربع المفقودة وترجمتها، لم يكن مجرد إجراء شكلي أو محاولة لربح الوقت كما يروج له البعض، بل كان تحركاً قانونياً دقيقاً أعاد فتح باب التساؤل حول ما إذا كانت الحقيقة قد حُجبت بشكل جزئي—إن لم نقل جوهري—خلال المرحلة الابتدائية.
استجابة المحكمة لهذا الطلب لم تأتِ من فراغ، بل تعكس وعياً قضائياً بأن العدالة لا يمكن أن تستقيم في ظل نقص بهذا الحجم في عناصر الإثبات. بل أكثر من ذلك، فإن هذا القرار يُقرأ اليوم كإشارة واضحة إلى أن الملف دخل مرحلة جديدة، عنوانها إعادة ترتيب المعطيات وإخضاعها لميزان تدقيق أكثر صرامة، وهو ما بدأت معه ملامح تحول حقيقي في اتجاه الكفة.
في المقابل، يبدو أن الموقف الرافض لهذا التطور، من طرف دفاع الضحية، يصطدم بجدار القانون، لأن تسريع وتيرة المحاكمة لا يمكن أن يكون على حساب استجلاء الحقيقة كاملة. فالقضاء لا يُكافئ السرعة، بل يُكرّس الدقة، وأي استعجال في حسم ملف بهذا التعقيد قد يؤدي إلى تكريس خطأ بدل تصحيحه.
إن ما يتكشف اليوم لا يقف عند حدود خلل إجرائي، بل يفتح الباب أمام قراءة جديدة للملف برمّته، قراءة تُعيد الاعتبار لمبدأ قرينة البراءة، وتضع فرضية مسؤولية المتهم أشرف صديقي تحت مجهر أكثر صرامة. فكلما اكتملت عناصر الدليل، خاصة بعد استحضار الصفحات المغيبة، كلما انكشفت الثغرات، وكلما ظهرت هذه الثغرات، كلما تزعزعت القناعات السابقة التي بُنيت على معطيات ناقصة.
وبناءً على هذا التحول، لم يعد من المبالغة القول إن بوادر انقلاب موازين الملف بدأت تتضح تدريجياً، وأن مسار القضية يسير نحو إعادة تقييم شاملة قد تعيد رسم خريطة المسؤوليات بشكل مختلف عمّا تم تداوله سابقاً. فالحقيقة، بطبيعتها، لا تُفرض دفعة واحدة، بل تظهر على مراحل، وكل مرحلة تحمل معها ما يكفي لإعادة ترتيب الأوراق.
إن خطورة ما جرى خلال المرحلة الابتدائية، والمتمثل في اعتماد تقرير خبرة مُجتزأ تم فيه إسقاط أربع صفحات والإبقاء على واحدة فقط، لا يمكن التقليل منها، لأنها تمس جوهر العدالة، وتضع علامات استفهام كبيرة حول دقة المعالجة آنذاك. لكن في المقابل، فإن ما يجري اليوم أمام هيئة الحكم يُعطي مؤشراً واضحاً على أن المسار القضائي قادر على تصحيح نفسه، وأن الحقيقة، مهما تأخرت، تجد طريقها إلى الظهور.
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بانتصار طرف على آخر، بل بانتصار الحقيقة الكاملة على الحقيقة المجتزأة، وبانتصار العدالة على الاستعجال.
وإذا كانت أربع صفحات قد غابت في مرحلة سابقة، فإن عودتها اليوم إلى دائرة النقاش قد لا تكون مجرد تفصيل… بل قد تكون المفتاح الحقيقي لإعادة كتابة هذا الملف من جديد، وربما لتغيير اتجاهه بالكامل.

