لم تكن كفالة الخمسين ألف يورو التي سددها بارون المخدرات المغربي-الهولندي كريم بوياخريشان سوى ثمن رمزي اشترى به تذكرة هروب مفتوحة من قلب المحاكم الإسبانية في أبريل 2024. فبينما كانت أجهزة الأمن الأوروبية تحتفي بتفكيك واحدة من أخطر أذرع «موكرو مافيا»، تبخر الرجل الملقب بـ«تاكسي» من السجلات القضائية بعد توقيع روتيني واحد، تاركاً خلفه ترسانة عقارية مجمدة تتجاوز قيمتها خمسين مليون يورو وفضيحة تنسيق قضائي كشفت عجز المنظومة الجنائية عن مجاراة دهاء الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
تعود جذور صعود بوياخريشان إلى عام 2014، حين اغتيل شقيقه الأكبر سمير الملقب بـ«سكارفيس» في مقهى فاخر ببلدة بيناهافيس قرب ماربيا، في إطار حرب تصفيات دامية خاضتها أجنحة المافيا المغربية في هولندا وبلجيكا ضد فصيل رضوان التاغي. وخلافاً لنهج العنف الاستعراضي وتصفية الحسابات في الشوارع، قرر كريم سحب تنظيمه نحو الظل المالي المعتم، محولاً العصابة من مليشيا مسلحة إلى كارتيل شبه مؤسسي؛ نسج تحالفات لوجستية مباشرة مع منتجي الكوكايين في كولومبيا والإكوادور، وشبكات مافيا «ندرانغيتا» الإيطالية، لتأمين تدفقات السموم نحو الموانئ الأوروبية الكبرى دون إثارة صخب أمني.
ارتكزت إمبراطورية بوياخريشان على معادلة مزدوجة تحكمت في مفاصل التهريب البحري والتدفقات النقدية؛ إذ اعتمدت على شحن أطنان الكوكايين النقي داخل حاويات الفواكه والموز المبردة القادمة عبر موانئ الجزيرة الخضراء وروتردام وأنتويرب، تحت غطاء شركات استيراد وتصدير قانونية. ولتصريف تلك السيولة الهائلة، أحكم كريم إدارة شبكة «حوالة» مصرفية موازية تنقل مئات الملايين من اليورو عبر الحدود دون قيود بنكية أو مسارات رقمية يمكن اقتفاؤها، ليُعاد ضخ تلك الأرباح في شراء القصور، واليخوت، وتأسيس شركات لتأجير السيارات الفارهة الممتدة بين كوستا ديل سول، ومدريد، ودبي، والمغرب.
بلغت المواجهة ذروتها مع تنفيذ الشرطة الإسبانية واليوروبول عملية «موشو» مطلع عام 2024، والتي أسفرت عن اعتقال بوياخريشان وحجز 172 عقاراً وحسابات مصرفية متعددة، تمهيداً لترحيله إلى هولندا بموجب مذكرة توقيف أوروبية لمحاكمته في قضايا تصفية جسدية وإدارة تنظيم إجرامي.
غير أن غياب التنسيق بين المحكمة الوطنية العليا في مدريد ومحكمة ملقا الابتدائية خلق ثغرة إجرائية قاتلة؛ إذ قررت الأخيرة منحه سراحاً مؤقتاً بكفالة بدعوى استنفاد مبررات الحبس الاحترازي المحلي لغسيل الأموال، قبل أن تُفعّل المحكمة الوطنية أمر التوقيف الاحترازي الخاص بملف التسليم، ما منح بوياخريشان نافذة زمنية كافية لمغادرة التراب الإسباني والتلاشي تماماً عن رادارات الإنتربول.
تجسد قصة كريم بوياخريشان الوجه الحقيقي لمنطقة «كوستا ديل سول»، حيث لم تعد الجريمة المنظمة بحاجة إلى اتخاذ ملاذات جبلية أو معاقل معزولة، بل باتت تذوب في بيئة المال السائب والرفاهية المفرطة التي تمنح الفساد غطاءً استثمارياً وقانونياً جذاباً. لقد أثبت هذا الهروب أن قوة الشبكات الإجرامية الحديثة لا تقاس بحجم شحنات المخدرات فحسب، بل بقدرتها على استغلال التنازع البيروقراطي داخل المنظومة القضائية؛ لتبقى ماربيا محتفظة ببريقها السياحي الخادع، بينما تواصل إمبراطوريات الظل إدارة خيوط التجارة بانتظار ثغرة قادمة.



