مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بدأت الخريطة السياسية بإقليم سيدي بنور تستعيد حركيتها، في ظل تنافس متزايد بين عدد من الأسماء التي تسعى إلى تعزيز مواقعها داخل دائرة انتخابية تتميز بخصوصيتها الاجتماعية والاقتصادية، وبالوزن الكبير الذي يحتله العالم القروي والفلاحي في تشكيل مزاجها الانتخابي وفي هذا السياق، يبرز اسم عبد الفتاح عمار، المعروف محلياً بلقب «ولد زروال»، باعتباره واحداً من الأسماء التي راكمت حضوراً ميدانياً وسياسياً واقتصادياً داخل الإقليم، وهو حضور لا يرتبط فقط بالمواعيد الانتخابية، بل يمتد إلى سنوات من العمل داخل المجال المحلي، بما منح الرجل قاعدة من العلاقات الاجتماعية والمهنية التي تجعله رقماً حاضراً في معادلة الاستحقاقات المقبلة. ويستمد عمار جزءاً مهماً من قوته من انتمائه إلى منطقة جمعة بني هلال، وهي منطقة شكلت امتداداً طبيعياً لمساره الاجتماعي والسياسي، ومنحته ارتباطاً مباشراً بقضايا العالم القروي ومشاكله اليومية، من الفلاحة وتربية الماشية إلى الماء والبنيات التحتية والخدمات الأساسية. وفي دائرة من طبيعة سيدي بنور، لا يكفي الحضور الحزبي وحده لصناعة وزن انتخابي حقيقي، إذ تظل العلاقة المباشرة مع المواطنين والقدرة على الحفاظ على القرب منهم عاملاً أساسياً في بناء الثقة، خصوصاً في الأوساط القروية التي تقيم المرشح بمدى حضوره في الميدان أكثر مما تقيمه بما يرفعه من شعارات خلال الحملات الانتخابية.
ويمنح المسار الاقتصادي لعبد الفتاح عمار بعداً إضافياً لحضوره داخل الإقليم، بالنظر إلى ارتباط تجربته بالقطاع الفلاحي وتربية الماشية، وهما قطاعان يشكلان أحد أعمدة الاقتصاد المحلي ومصدر دخل مباشر لفئات واسعة من السكان. هذه الخلفية جعلته، بحسب متابعي مساره، على تماس مباشر مع الإكراهات التي يعيشها الفلاحون والكسابة، من ارتفاع تكاليف الإنتاج والأعلاف إلى صعوبة التسويق وتراجع الموارد المائية وتوالي سنوات الجفاف، وهي ملفات باتت اليوم في صلب النقاش العمومي المحلي أكثر من أي وقت مضى. ولا يقتصر الأمر على مجرد معرفة نظرية بالقطاع، بل يرتبط بتجربة ميدانية جعلت عمار أكثر قدرة على فهم التفاصيل الدقيقة لهذا المجال، وهو ما قد يشكل ورقة سياسية مهمة في أي ترافع مستقبلي داخل المؤسسة التشريعية كما يندرج ضمن هذا المسار الاستثمار في مشاريع مرتبطة بالبنية الاقتصادية المحلية، من بينها مشروع مجزرة عصرية بمنطقة زاوية سيدي إسماعيل، وهو مشروع يعكس توجهاً نحو تثمين سلسلة الإنتاج الحيواني وخلق قيمة مضافة داخل الإقليم، في وقت تحتاج فيه سيدي بنور إلى الانتقال من منطق إنتاج المواد الخام إلى بناء اقتصاد محلي أكثر قدرة على خلق فرص الشغل وتشجيع الاستثمار وربط الفلاحة بالصناعة والخدمات.
ولا ينفصل البعد الاقتصادي عن التجربة السياسية والمؤسساتية التي راكمها «ولد زروال» خلال السنوات الماضية، سواء من خلال العمل النيابي أو من خلال حضوره داخل المجالس المنتخبة والهيئات المهنية فالرجل لا يدخل الاستحقاقات المقبلة باعتباره اسماً جديداً على المؤسسات، بل يستند إلى تجربة سابقة أتاحت له التعرف على آليات العمل البرلماني وقنوات الترافع والتواصل مع القطاعات الحكومية، وهي عناصر تمنح أي نائب قدرة أكبر على الدفاع عن ملفات دائرته الانتخابية. وفي إقليم مثل سيدي بنور، تبدو الحاجة إلى هذا النوع من الترافع أكثر إلحاحاً، بالنظر إلى حجم الملفات التي ما تزال تنتظر حلولاً عملية، من تحسين البنيات التحتية وشبكة الطرق إلى تعزيز الخدمات الصحية والتعليمية، مروراً بخلق فرص الشغل للشباب وتأهيل الجماعات القروية والحد من الفوارق المجالية. فالمعركة الانتخابية المقبلة لن تكون فقط حول من يستطيع الوصول إلى البرلمان، وإنما حول من يمتلك القدرة على تحويل المطالب المحلية إلى ملفات تحظى بالمتابعة داخل المؤسسات، ومن يستطيع أن يجعل لصوت الإقليم وزناً داخل النقاش الوطني حول التنمية والاستثمار والعدالة المجالية.
ويأتي اختيار عبد الفتاح عمار خوض الاستحقاقات المقبلة تحت ألوان حزب الحركة الشعبية ليضيف بعداً سياسياً آخر إلى هذا المسار، بالنظر إلى الارتباط التاريخي للحزب بقضايا العالم القروي والدفاع عن الفلاحة والعدالة المجالية. ويبدو هذا الاختيار منسجماً، إلى حد بعيد، مع طبيعة الإقليم ومع المسار المهني والاجتماعي للمرشح، خصوصاً أن سيدي بنور تعد من المناطق التي تحتل فيها الفلاحة موقعاً مركزياً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية ومن هذه الزاوية، قد يشكل ترشيح عمار فرصة للحركة الشعبية من أجل تعزيز حضورها داخل الإقليم، كما قد يمنح المرشح نفسه إطاراً حزبياً يمكن من خلاله تطوير خطابه السياسي وربط قضايا الدائرة بمستوى أوسع من الترافع الوطني. غير أن الرهان الحقيقي لن يكون في اللون الحزبي وحده، بل في مدى قدرة هذا التقاطع بين المرشح والحزب على إنتاج مشروع سياسي واضح يجيب عن انتظارات الساكنة ويقدم تصورات عملية حول الماء والفلاحة والتشغيل والاستثمار والخدمات الاجتماعية.
وتبدو مسألة الماء من بين أكثر الملفات التي ستفرض نفسها بقوة خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل التحديات المناخية وتراجع الموارد المائية، وهي أزمة لم تعد ظرفية بقدر ما أصبحت واقعاً بنيوياً يهدد استقرار النشاط الفلاحي ومستقبل عدد كبير من الفلاحين والكسابة. ومن المنتظر أن يكون هذا الملف معياراً حقيقياً لتقييم الخطاب السياسي للمرشحين، لأن الساكنة لم تعد تبحث عن توصيف للمشاكل التي تعرفها جيداً، بقدر ما تنتظر مقترحات واقعية للتعامل معها، سواء من خلال تحسين تدبير الموارد المائية أو دعم تقنيات السقي الحديثة أو مواكبة الفلاحين في مواجهة التحولات المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج. كما يطرح ملف تربية الماشية تحديات لا تقل أهمية، خاصة مع ارتفاع أسعار الأعلاف وتقلب الأسواق، وهو ما يجعل حماية صغار الكسابة ودعم قدرتهم على الاستمرار جزءاً أساسياً من أي تصور تنموي جدي بالإقليم.
وبموازاة ذلك، يظل ملف التشغيل أحد أكثر الملفات حساسية لدى شباب سيدي بنور، في ظل محدودية الفرص الاقتصادية واضطرار عدد من الشباب إلى الهجرة نحو مدن أخرى بحثاً عن العمل. وهو واقع يفرض على مختلف المرشحين تجاوز الخطابات العامة نحو تقديم رؤية اقتصادية تربط بين الفلاحة والاستثمار والتكوين المهني والصناعة الغذائية والخدمات، بما يسمح بخلق نسيج اقتصادي محلي أكثر تنوعاً وقدرة على استيعاب اليد العاملة. فالإقليم يمتلك مؤهلات فلاحية مهمة، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المؤهلات إلى فرص شغل واستثمارات مستدامة، وهو ما يتطلب بنية تحتية أفضل ومناطق للأنشطة الاقتصادية وتشجيع المقاولات وربط التكوين بحاجيات السوق المحلي. ومن هنا، يصبح النقاش حول التمثيلية البرلمانية مرتبطاً أيضاً بقدرة النائب على الترافع من أجل استقطاب المشاريع والاعتمادات والدفاع عن موقع الإقليم داخل البرامج الحكومية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الاستحقاقات التشريعية المقبلة بسيدي بنور لن تكون مجرد سباق تقليدي بين أسماء وألوان حزبية، بل ستكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النخب السياسية على استعادة ثقة المواطنين وربط العمل الانتخابي بمشاريع ملموسة. فالناخب المحلي أصبح أكثر اهتماماً بالحصيلة وبقدرة المنتخب على الترافع، ولم يعد الخطاب وحده كافياً لصناعة القناعة أو ضمان الاستمرارية. كما أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل الإقليم تجعل من القرب من المواطن شرطاً ضرورياً، لكنه غير كاف في حد ذاته، إذ يظل المطلوب الجمع بين القرب والكفاءة والقدرة على التأثير داخل المؤسسات. ومن هذا المنطلق، يدخل عبد الفتاح عمار «ولد زروال» المرحلة المقبلة محمولاً على رصيد يجمع بين الامتداد المحلي والتجربة السياسية والخلفية الاقتصادية، وهي عناصر تمنحه موقعاً متقدماً في النقاش الانتخابي، لكنها تضعه في الوقت نفسه أمام مسؤولية أكبر في تقديم مشروع سياسي قادر على تحويل هذا الرصيد إلى نتائج ملموسة.
وتبقى صناديق الاقتراع، في نهاية المطاف، هي الفيصل في قياس الوزن الحقيقي لكل مرشح، بعيداً عن التوقعات والحسابات المسبقة. غير أن المؤكد أن اسم عبد الفتاح عمار سيكون حاضراً بقوة في معركة سيدي بنور، بالنظر إلى ما راكمه من حضور داخل المجال القروي والسياسي والاقتصادي، وإلى طبيعة المرحلة التي تحتاج إلى شخصيات قادرة على الجمع بين المعرفة الدقيقة بالإقليم والقدرة على نقل قضاياه إلى مستويات القرار الوطني. وبين خبرة الماضي وانتظارات المستقبل، يجد «ولد زروال» نفسه أمام امتحان سياسي جديد، لا يتعلق فقط بالفوز بمقعد برلماني، وإنما بمدى قدرته على إقناع الساكنة بأن تمثيليته يمكن أن تتحول إلى قوة ترافعية حقيقية، وأن حضوره في المؤسسات يمكن أن يسهم في الدفاع عن ملفات سيدي بنور وانتزاع مشاريع واستثمارات تواكب تطلعاتها وتحدياتها خلال السنوات المقبلة.



