تحقيق ANRE يكشف كيف انتقل لقب ولد الفشوش صورة أمين رياض أشعلت الغضب وأشرف صديقي دفع الثمن (تفاصيل صادمة)

10 دقائق قراءة

الجزء1)

الوكالة الوطنية للأبحاث والتحقيقات الصحفية

في القضايا الجنائية التي تتحول إلى قضايا رأي عام، لا تتحرك الوقائع داخل المسار القضائي وحده، بل تتشكل حولها روايات موازية تصنعها الصورة والانطباعات الأولى واللغة التي يعتمدها الإعلام في توصيف الأحداث، وفي بعض الأحيان، يصبح هذا التداخل بين الحقيقة والصورة كفيلاً بإحداث لبس عميق قد يغيّر الطريقة التي يُفهم بها الملف برمته.

ضمن هذا السياق، أنجز فريق الوكالة الوطنية للأبحاث والتحقيقات الصحفية تحقيقاً استقصائياً مطولاً حول إحدى أكثر المفارقات إثارة في ملف دهس الطالب بدر بعين الذياب بالدار البيضاء، وقد اعتمد التحقيق على جمع المعطيات المتداولة، والاطلاع على صور ووثائق، ومراجعة تسلسل التغطية الإعلامية التي رافقت بداية القضية، بهدف فهم الكيفية التي تشكلت بها السردية العامة حول الملف.

 

 

النتيجة التي توصل إليها التحقيق تكشف مفارقة شديدة الدلالة:
الوصف الإعلامي الذي رُوج منذ البداية تحت عنوان “ولد الفشوش” كان مرتبطاً بصورة شخص، بينما انتهى هذا الوصف لاحقاً إلى الالتصاق بشخص آخر داخل المسار القضائي للقضية والحكم عليه بما حملته نفسية المجتمع على شخص انتشرت صورته في وسائل الاعلام ، وهذا خطأ يمكن تداركه بالبيان والتوضيح وهذا ما قام به فريق الوكالة.

تبدأ القصة التي تستحق التفكيك مع الصورة الأولى: لحظة ولادة السردية الإعلامية التي ظلمت شخص على حساب شخص آخر، واستعملت في وسائل غير شريفة وتم الترويج لها لأسباب مجهولة عند المجتمع لكنها معلومة عند فريق الوكالة (سنكشف عنها في وقت لاحق …)

مع الساعات الأولى لانتشار خبر حادث دهس الطالب بدر، سارع الإعلام الرقمي وصفحات التواصل الاجتماعي إلى تداول صورة شاب قيل إنه أمين رياض، وتم تقديمه على أنه الشخص الذي كان يقود السيارة المتورطة في حادث الدهس.

الصورة انتشرت بسرعة لافتة، وترافقت مع وصف أصبح محور السردية الإعلامية للقضية:
“ولد الفشوش”، لم يكن هذا الوصف مجرد عبارة عابرة، بل حمل دلالة اجتماعية قوية في المخيال الجماعي المغربي، حيث يُستعمل عادة لوصف شاب ينتمي إلى طبقة ميسورة يُعتقد أنه يتصرف بتهور مستنداً إلى الامتيازات الاجتماعية أو النفوذ العائلي.

وبمجرد أن ارتبطت صورة أمين رياض بهذا الوصف، تشكلت في ذهن الجمهور قصة مكتملة العناصر واقتنع المغاربة ان من ارتكب جريمة دهس بدر شخص من ملامحه مجرم ذو سوابق وكل شيء يوحي انه مجرم يجمع بين المال والنفوذ والملامح السيئة ظهر أمين رياض أنه شاب ثري مزور، وصاحب سيارة فارهة مزوة وصاحب سلوك متهور وهذا أمر يمكن أن يكون محققة حسب طبيعة الجرينة وكل ذلك عن طريق حادث مأساوي راح ضحيته طالب تم تقديمه للإعلام أنه دكتور ولم يكن في عين المكان الا بمحض الصدفة وهذا أيضا كون فكرة غير صحيحة سنعود لها وقت لاحق عبر جزء خاص .

وبذلك، قبل أن تتضح تفاصيل التحقيق القضائي، كانت الرواية الإعلامية قد بدأت تتشكل بقوة، مستندة أساساً إلى الصورة والانطباع الأول.

خلال عملها الاستقصائي، اطلعت الوكالة الوطنية للأبحاث والتحقيقات الصحفية على معطيات ووثائق تشير إلى أن أمين رياض قدم اعترافاً مكتوباً وموقعاً بخط يده يقر فيه بأنه هو من كان يقود السيارة التي ارتكبت عملية الدهس، هذا المعطى الوثائقي – الذي يظل بطبيعته خاضعاً لتقدير القضاء وللتدقيق القانوني – يشكل عنصراً بالغ الأهمية في قراءة تسلسل الأحداث، فالاعتراف في القانون الجنائي، وإن لم يكن وحده كافياً للحسم في المسؤولية الجنائية، يظل قرينة قوية عندما يكون صريحاً ومكتوباً وموقعاً،وهو ما كان يستوجب أن يعثبر فاعلا أصلها لكنه وقع العكس لأسباب سنذكرها بالتفاصيل .

بالنظر إلى أن الصورة التي انتشرت في بداية القضية كانت تعود إلى الشخص نفسه الذي نسب إليه هذا الاعتراف، فقد بدا للرأي العام آنذاك أن عناصر الرواية الأولى متماسكة: صورة الوصف الاجتماعي ، والاعتراف المنسوب إلى صاحب الصورة لكن مسار القضية لم يستمر على هذا النحو.

التحول المفاجئ: دخول اسم أشرف صديقي إلى قلب الملف
مع تطور التحقيقات كفاعل أصلي بذل (ولد الفشوش الاعلامي ) وانتقال الملف إلى المسار القضائي، بدأ اسم أشرف صديقي يبرز بصفته المتهم في القضية بصفته ولد الفشوش، لأن أروقة المحكمة تعرف الحقيقة أن صديقي هو ولد الفشوش فتم تقديمه للمحكمة على اساس انه ولد الفشوش وهنا وقع الخلط الذي انتهى بحكم جائر وهو الإعدام .

وهنا ظهرت المفارقة التي ستصبح لاحقاً محور هذا التحقيق.

فأشرف صديقي هو بالفعل ابن رجل مال وأعمال معروف، وهو ما جعله – من الناحية الاجتماعية – أقرب إلى الصورة النمطية التي تعكسها عبارة “ولد الفشوش”.
وبذلك حدث تحول تدريجي في السردية العامة للقضية: الوصف الذي ارتبط في البداية بصورة أمين رياض وهو الفاعل الحقيقي لكن قيل انه ولد الفشوش وهنا بدأ يلتصق تدريجياً باسم أشرف صديقي في ذهنية الجميع ولاسيما المحكمة التي غالبا يسمع ما يروج في الاعلام ويتأثر لكن بدون تدقيق وتمحيص في خلط الصور ، ومع مرور الوقت، لم يعد الرأي العام يميز بين أصل الوصف وبين الشخص الذي أصبح محور الاتهام القضائي.

لحظة الالتباس الكبرى: حين تنتقل الصفة من صورة إلى شخص آخر
التحقيق الذي قامت به الوكالة الوطنية للأبحاث والتحقيقات الصحفية يكشف أن هذا التحول لم يكن مجرد تغير بسيط في زاوية التغطية الإعلامية، بل أدى إلى ما يمكن وصفه بـ اللبس السردي العميق في إدراك الرأي العام للقضية.

فالملف أصبح يسير وفق روايتين مختلفتين: الرواية الأولى: الرواية الإعلامية وهي الرواية التي تأسست منذ البداية على صورة أمين رياض ووصفه بـ “ولد الفشوش”.

الرواية الثانية: الرواية القضائية
وهي الرواية التي بدأت تتشكل داخل أروقة التحقيق والمحاكمة حيث برز اسم أشرف صديقي كأحد المتهمين الرئيسيين بل بصفته ولد الفشوش وكل ما يسمع على أمين رياض يتم اسقاطه غلى أشرف صديقي .

المشكلة أن هاتين الروايتين لم تتطورا بشكل منفصل، بل اندمجتا تدريجياً في الوعي الجماعي للرأي العام، وهكذا أصبح الوصف الذي صنعته الصورة الأولى ينتقل إلى شخص آخر داخل الملف.

الحقد الاجتماعي على “ولد الفشوش” : لفهم هذا التحول، لا بد من التوقف عند البعد الاجتماعي للعبارة نفسها، في المجتمع المغربي، تحمل عبارة “ولد الفشوش” شحنة عاطفية قوية، لأنها ترتبط في الوعي الجماعي بفكرة اللامساواة الاجتماعية واستغلال النفوذ، وعندما تظهر قضية مأساوية مثل حادث دهس مميت، فإن هذا الوصف يتحول بسرعة إلى رمز للغضب الاجتماعي.

وبمجرد أن أصبح اسم أشرف صديقي مرتبطاً بالملف بصفته ولد الفشوش ، وجد هذا الغضب الاجتماعي موضوعاً جديداً يلتصق به، خاصة وأن المتهم ينتمي بالفعل إلى عائلة ميسورة.

وهكذا تحولت العبارة من توصيف إعلامي إلى حكم اجتماعي مسبق، حين يتحمل شخص وزر رواية كاملة، النتيجة التي يرصدها هذا التحقيق أن أشرف صديقي أصبح تدريجياً حامل الرواية الإعلامية التي صُنعت في البداية حول شخص آخر وهو الفاعل الأصلي، اذا المجتمع لم يظلم ولد الفشوش اشرف صديقي لانه يعلق على الشخص الذي تم تقديمه إليه بصفته ولد الفشوش وهو الفاعل الأصلي ، والمحكمة لم يظلم أشرف صديقي لانه حكم عليه بما راج حول صورة وشخصية أمين رياض ولد الفشوش المزور والفاعل الحقيقي للجريمة ، لكن ظلم الأفراد ، لأن الشخصيات المحكوم عليها حقيقية ولكن الأشخاص لا ، هناك لغز الوكالة تفككه لعل المحكمة الكل يتدارك هذا الخلط واللبس الذي كان ولازال يحتاج الى شرح دقيق ومفصل ، فكل العناصر التي رافقت الصور، الأولى لأمين رياض من غضب الشعبي ووصف الاجتماعي ولغة الإعلامية الحادة انتقلت إلى اسم جمال صديقي بالخطأ وساعدها في ذلك اعترافات تحت تأثير الدواء افقد الرجل تركيزه ولبس ايضا شخصية غير حقيقية نسجها معهم هو الآخر حول نفسه لايمكن للمحكمة خلال المرحلة الاستئنافية أن تعتد بها ولاسيما مع اعترافات وشهادات جديدة وتركيز اشرف في شهادته وتصريحاته بعد التعافي …

وبذلك لم يعد النقاش العام يدور فقط حول الوقائع القضائية، بل أصبح محكوماً أيضاً بالصورة الذهنية التي ترسخت في بداية القضية.

حكم ثقيل… وسؤال العدالة : مع صدور الحكم الابتدائي بالإعدام في حق أشرف صديقي، عاد هذا الالتباس إلى الواجهة بقوة، ففي الوقت الذي استمر فيه الجدل حول المسؤولية الجنائية الحقيقية في الملف، بقيت الرواية الإعلامية الأولى حاضرة في خلفية النقاش العام.

وهنا يطرح التحقيق سؤالاً جوهرياً:
هل كان الرأي العام يتابع تفاصيل الملف كما قدمتها التحقيقات القضائية، أم أنه ظل أسيراً للرواية التي صنعتها الصورة الأولى وهل أثرت الصورة العامة عن ولد الفشوش الموزر عن اشرف صديقي بصفته ولد الفشوش الحقيقي أمام المحكمة ؟

المعطيات التي جمعتها الوكالة الوطنية للأبحاث والتحقيقات الصحفية من خلال مراجعة الصور المتداولة والوثائق المتاحة وتسلسل التغطية الإعلامية تشير إلى مفارقة لافتة في هذا الملف، فالصورة التي انتشرت في بداية القضية كانت مرتبطة بشخص قدم لاحقاً اعترافاً مكتوباً بقيادة السيارة، بينما انتهى الوصف الإعلامي الذي رافق تلك الصورة إلى الالتصاق بشخص آخر داخل المسار القضائي، وبين الصورة الأولى والحكم القضائي، تشكلت قصة معقدة تداخلت فيها: الإعلام، الانطباع الاجتماعي والحقيقة القضائية وهو ما يجعل هذا الملف مثالاً واضحاً على القوة الهائلة التي يمكن أن تمتلكها الصورة الأولى في تشكيل الرواية العامة حول القضايا الجنائية.

الجزء الأول من التحقيق
الوكالة الوطنية للأبحاث والتحقيقات الصحفية

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

Leave a Reply