معركة الشهادات، لماذا لا تزال كفة أشرف راجحة؟

4 دقائق قراءة

في خضم الجدل المتصاعد حول ملف أشرف صديقي، تبدو الصورة للوهلة الأولى وكأنها محسومة لصالح رواية واحدة، مدعومة بشهادات حظيت بانتشار واسع، غير أن القراءة القانونية الدقيقة تكشف واقعاً مختلفاً تماماً، حيث لا يُقاس وزن الشهادات بصداها، بل بمدى انسجامها واستقلالها وقوتها الإثباتية.

إن ما يُعرف اليوم بـ”معركة الشهادات” داخل هذا الملف، لا يعكس فقط تعدد الروايات، بل يكشف عن تعارض صريح في معطيات جوهرية، على رأسها مسألة تواجد أشرف صديقي بمكان وقوع الحادث، فبينما تذهب بعض الشهادات في اتجاه معين، تبرز في المقابل إفادات أخرى، تم تداولها خلال الأسابيع الأخيرة، تؤكد بشكل واضح أن المعني بالأمر لم يكن حاضراً في مسرح الواقعة، وهو ما يضرب في العمق أي محاولة لبناء سردية أحادية.

هذا التعارض لا يُعتبر تفصيلاً بسيطاً في ميزان القانون، بل هو عنصر حاسم يُفعل قاعدة راسخة، مفادها أن الشك يُفسَّر لفائدة المتهم، فعندما تتقابل روايات متناقضة دون سند مادي قاطع يُرجّح إحداها، فإن اليقين يغيب، ومعه تسقط إمكانية تأسيس إدانة سليمة.

الأكثر من ذلك، أن قيمة الشهادة في القانون الجنائي لا تُستمد فقط من مضمونها، بل من شروطها، وعلى رأسها الاستقلال والحياد، فالشاهد الذي قد يكون طرفاً في القضية، أو مرتبطاً بشكل مباشر أو غير مباشر بأحد أطرافها، تبقى شهادته محاطة بالتحفظ، وتخضع لتقدير صارم من طرف المحكمة، وهو ما يجعل أي اعتماد مطلق على هذا النوع من الشهادات أمراً غير سليم قانوناً.

وفي المقابل، فإن بروز شهود آخرين عبر وسائل الإعلام، ممن يؤكدون براءة أشرف صديقي وينفون تواجده بمكان الحادث، يطرح مسؤولية واضحة على عاتق الهيئة القضائية، من أجل استدعائهم والاستماع إليهم داخل إطار المسطرة، ضماناً لتكافؤ الفرص بين الروايات، وتكريساً لمبدأ البحث الشامل عن الحقيقة،

فالمحكمة، برئاسة القاضي فرح، لا يُنتظر منها ترجيح كفة على أخرى بناءً على ما يُتداول، بل على ما يُناقش أمامها وفق الضوابط القانونية، وهو ما يفرض توسيع دائرة الاستماع لتشمل كل الشهادات، دون انتقائية، خاصة حين يتعلق الأمر بمعطيات تمس جوهر الواقعة.

من جهة أخرى، يبقى عبء الإثبات محمولاً على جهة الاتهام، التي لا يكفيها تقديم رواية، بل مطالبة بإثباتها بدليل يقيني، متماسك، وخالٍ من التناقض، وأي خلل في هذا البناء، سواء عبر تضارب الشهادات أو غياب قرائن مادية داعمة، يعيد الملف إلى نقطة الأصل، حيث تستعيد قرينة البراءة كامل قوتها.

إن تضخيم بعض الشهادات في الفضاء العام، مقابل إغفال أخرى مناقضة، قد يخلق انطباعاً عاماً مضللاً، لكنه لا يغير من جوهر القاعدة القانونية، التي لا تعترف إلا بما يُثبت داخل المحكمة، وبما يصمد أمام المناقشة والتفنيد،

في المحصلة، تبدو كفة أشرف صديقي، من منظور قانوني صرف، لا تزال راجحة، ليس لأن الروايات في صالحه بشكل مطلق، بل لأن التناقض القائم يُضعف اليقين، ويُعزز الشك، والشك في القانون ليس ضعفاً، بل ضمانة أساسية لحماية الحرية.

وبين شهادات تقول وأخرى تنقض، يبقى الفيصل هو الدليل، وما دونه يظل مجرد احتمال، لا يرقى إلى مستوى الإدانة، ولا يكفي لإسقاط أصل البراءة الذي يظل قائماً إلى أن يُثبت العكس بيقين لا يترك مجالاً للشك.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

Leave a Reply