في تطور نوعي يعيد توجيه بوصلة النقاش العمومي، برزت خلال الأيام الأخيرة شهادات مصورة جديدة في ملف ما يُعرف إعلامياً بـ“ولد الفشوش”، بعدما جرى بثها عبر منصات رقمية، على رأسها “علاش تيفي”، حيث حصدت ملايين المشاهدات وأثارت تفاعلاً واسعاً داخل الرأي العام، الذي وجد نفسه أمام روايات مغايرة لما استقر في الوعي الجماعي منذ بداية القضية.
هذه الشهادات، التي أدلى بها شهود عيان، حملت معطيات دقيقة ومتشابكة، تصب في اتجاه نفي تواجد أشرف صديقي بمسرح الواقعة لحظة سقوط الطالب بدر أرضاً نتيجة العنف الذي تعرض له، كما أكدت، بشكل متقاطع، أنه لم يكن وراء مقود السيارة لحظة حادث الدهس. وهي معطيات، في حال ثبوتها وفق المساطر القانونية، من شأنها أن تعيد ترتيب عناصر القضية بشكل جذري.
وقد لعبت المنصات الرقمية دوراً محورياً في إيصال هذه الإفادات إلى الجمهور، حيث تحولت المقاطع المصورة إلى مادة نقاش رئيسية، تجاوزت حدود المتابعة التقليدية إلى مستوى التأثير الفعلي في القناعات، خصوصاً مع قوة الصورة وتفاصيل الشهادات التي بدت منسجمة في نقاط جوهرية، رغم تعدد مصادرها.
ومن الناحية القانونية، تطرح هذه المستجدات إشكالات عميقة تمس جوهر التكييف الجنائي للوقائع، إذ أن غياب الحضور المادي في لحظة التنفيذ، وانتفاء الدليل المباشر على السياقة، يُضعفان بشكل كبير فرضية المشاركة أو المساهمة في الجريمة، ويفتحان المجال أمام قراءة جديدة للملف، قائمة على إعادة تقييم الأدلة وفق معايير الإثبات المعتمدة.
ويرى متتبعون أن القيمة الحقيقية لهذه الشهادات لن تتأكد إلا من خلال إدماجها ضمن المسار القضائي الرسمي، عبر الاستماع إلى أصحابها في محاضر قانونية، وإخضاع تصريحاتهم لآليات التحقق والتقاطع مع باقي الأدلة التقنية والميدانية، بما يضمن تحقيق التوازن بين قوة المعطى الإعلامي وصرامة الإثبات القضائي.
في المقابل، لا يمكن إغفال التحول الذي طرأ على الرأي العام، حيث ساهم الانتشار الواسع لهذه الشهادات في إعادة تشكيل القناعات، والانتقال من منطق الحسم المسبق إلى منطق التساؤل وإعادة النظر، في مشهد يعكس تنامي تأثير الإعلام الرقمي في القضايا ذات الحساسية العالية.


