تحت ستار “النوستالجيا” واللهو الرقمي العابر، تسابق الملايين لتحويل صورهم الشخصية إلى لقطات كلاسيكية تحاكي سنوات الثمانينات، متناسين في غمرة التسلية أنهم يوقعون أكبر صفقة تنازل طوعي عن هوياتهم البصرية. فتحت تلك اللعبة البسيطة الباب على مصراعيه لتقديم ملامح الوجه وحقوق الصورة للشركات المطورة للذكاء الاصطناعي بالمجان التام وبصفر درهم، دون أي مقابل سوى صورة معدلة تنتهي صلاحيتها بانتهاء موجة التفاعلات السريعة على المنصات.
امتلأت قواعد بيانات الأنظمة الذكية، وعلى رأسها نماذج مثل “ChatGPT”، بملايين الصور الحقيقية لأشخاص بكل تفاصيل وجوههم وتعابيرهم الدقيقة، دون أن تضطر هذه المنصات لدفع سنتيم واحد كتعويض أو مقابل لحقوق الاستخدام. تحولت ملامح الملايين إلى وقود مجاني يغذي الخوارزميات، مانحة إياها كامل الحرية والأحقية القانونية في توظيف تلك البيانات وتدريب نماذج المستقبل وتوليد محتويات بصرية لا يعلم أحد حدود توظيفها القادم.
الأكثر إثارة في هذه المفارقة هو أن أحداً لم يتعرض لقرصنة أو تجسس معقد، بل سُلمت هذه الملامح بملء الإرادة وبنقرة زر واحدة على شروط الاستخدام وسياسات الخصوصية؛ تلك البنود التي يتحدى الواقع أن يكون شخص واحد قد كلف نفسه عناء قراءتها قبل رفع صورته. كانت مقايضة مجحفة تخلى فيها المستخدم عن أثمن بياناته البيومترية مقابل لحظة ترفيه عابرة ومشاركة تافهة، ليثبت السلوك الجمعي مدى سهولة استدراج الوعي البشري نحو التخلي عن خصوصيته.
يُعد هذا المشهد تجسيداً لأول انتصار حقيقي وسهل يحققه الذكاء الاصطناعي على البشر؛ انتصار لم يتطلب حرباً ولا جهداً تقنياً مضنياً، بل اعتمد بالكامل على سيكولوجية الاستهلاك الأعمى والانقياد وراء صيحات التواصل الاجتماعي. وبينما ينتظر الكثيرون بلهفة “الترند” القادم للمشاركة فيه بنفس العقلية الاستهلاكية السطحية، تواصل الخوارزميات مراقبة المشهد وابتلاع البيانات المجانية، مؤكدة تفوق الآلة في استثمار غفلة الإنسان ضد نفسه.



