رفع حزب جبهة القوى الديمقراطية، صاحب رمز الزيتونة، سقف وعوده الانتخابية مع انطلاق الحملة الخاصة بانتخابات مجلس النواب، معلناً عن برنامج تحت شعار «الكرامة الآن… ودائماً»، يتضمن خمسة أوراش كبرى و100 تدبير، في محاولة لتقديم صورة حزب يمتلك وصفة شاملة لمعالجة الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية، غير أن ضخامة المقترحات وتعدد الالتزامات تطرح منذ البداية سؤالاً أساسياً حول قدرة الحزب على تحويل هذا الكم من الوعود إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، خصوصاً أن البرنامج يَعِد بتغييرات واسعة في الأسرة والدخل والسكن والتعليم والضرائب والحماية الاجتماعية والإدارة والصفقات العمومية، دون أن يكون مجرد الإعلان عن الأهداف كافياً لإقناع المغاربة بإمكانية تنزيلها على أرض الواقع.
وفي الجانب الاجتماعي، يقترح الحزب منحة مباشرة عن كل مولود، ورفع عطلة الأمومة إلى 16 أسبوعاً بأجر كامل، وتمديد عطلة الأبوة إلى 15 يوماً وتعميمها على القطاع الخاص، إلى جانب عطلة والدية مرنة، ومراجعة التعويضات العائلية، وضمان تحويل 80 في المائة من المعاش الأصلي إلى المستحقين، فضلاً عن خصم مصاريف التعليم ورعاية الأطفال والتغطية الصحية من الوعاء الضريبي، وإعفاء العقار الأول للمتزوجين الجدد من واجبات التسجيل والتحفيظ لمدة خمس سنوات، مع قروض بفائدة صفر في المائة، وهي وعود اجتماعية جذابة انتخابياً، لكن الاختبار الحقيقي لا يكمن في صياغتها، بل في تحديد شروط الاستفادة منها، وضبط كلفتها، ومصادر تمويلها، وقدرة الدولة على تحملها لسنوات طويلة، خاصة أن الحزب يتحدث عن 14.5 مليار درهم سنوياً بحلول 2031، دون أن تختفي المخاوف بشأن مدى واقعية هذه الالتزامات في ظل ضغط النفقات العمومية وتعدد البرامج الاجتماعية القائمة.
ويذهب الحزب أبعد من ذلك باقتراح «دخل الكرامة» لكل مواطن مغربي منذ الولادة إلى الوفاة، بالتوازي مع باقي المداخيل ودون معايير إقصاء معقدة، مع تخصيص 46 مليار درهم إضافية عبر إعادة هيكلة الإنفاق العام، إلى جانب إطلاق مشروع لمكافحة الأمية الأبجدية والرقمية من خلال تعبئة 150 ألف شاب وشابة وتكوينهم في الذكاء الاصطناعي والرقمنة والإعلام، وهي مقترحات ترفع سقف الانتظارات إلى مستوى يصعب معه الاكتفاء بالشعارات، لأن أي حديث عن دخل مضمون للجميع وإعادة توزيع واسعة للميزانيات يحتاج إلى حسابات مالية دقيقة، وآليات تنفيذ واضحة، وضمانات تحول دون إعادة إنتاج نفس الاختلالات التي ينتقدها الحزب، وإلا فإن البرنامج قد يتحول إلى لائحة طويلة من الأمنيات الانتخابية أكثر منه خارطة طريق قابلة للقياس والمحاسبة.
أما اقتصادياً، فيتعهد حزب جبهة القوى الديمقراطية بإعطاء الأولوية للقيمة المضافة المحلية في الصفقات العمومية بنسبة لا تقل عن 30 في المائة، ومحاربة الاحتكارات والريع والمحسوبية والتهرب الضريبي، وتفعيل قانون حظر تضارب المصالح وحماية المبلغين، وتقليص آجال أداء الفواتير إلى 30 يوماً بالنسبة لـ90 في المائة من الصفقات، وهي شعارات تبدو قوية في مواجهة أعطاب الاقتصاد والمنافسة، لكن المفارقة أن البرنامج نفسه سيبقى مطالباً بتقديم أجوبة أكثر صرامة حول كيفية تطبيق هذه الالتزامات داخل منظومة معقدة من القوانين والمؤسسات والمصالح المتداخلة، فالانتخابات لا تُحسم بعدد الوعود ولا بارتفاع سقفها، وإنما بمدى قابلية كل وعد للتمويل والتنفيذ والقياس، وبقدرة أصحابه على قبول المحاسبة عندما تصطدم الطموحات الانتخابية بواقع تدبير الدولة والمال العام.



