سياسة

5 دقائق قراءة

نجل جودار ثانياً وقرقوري ثالثاً.. ماذا وراء ترتيب أوراق الاتحاد الدستوري؟

نجل جودار ثانياً وقرقوري ثالثاً.. ماذا وراء ترتيب أوراق الاتحاد الدستوري؟

شارك هذا الخبر

تفتح الأسماء المتداولة ضمن لائحة حزب الاتحاد الدستوري بدائرة ابن أمسيك للاستحقاقات التشريعية المقبلة الباب أمام سلسلة من الأسئلة والقراءات السياسية، خصوصاً أن ترتيب المرشحين لا يبدو، في عالم السياسة والانتخابات، مجرد أرقام عابرة. فقد تحمل المواقع داخل اللوائح رسائل غير معلنة، وتعكس توازنات وحسابات تتجاوز يوم الاقتراع، لتطرح بذلك تساؤلات حول الطريقة التي يدبر بها الحزب أوراقه، وما إذا كانت اختياراته الحالية مجرد ترتيبات انتخابية ظرفية أم مؤشرات على إعادة رسم خريطة الأدوار داخل البيت الدستوري.

 

ومن بين أكثر المعطيات إثارة للنقاش، الحديث عن وضع نجل الأمين العام للحزب محمد جودار في المرتبة الثانية، مقابل حضور بوشعيب قرقوري، المعروف في الأوساط الرياضية بلقب «مول ريال موروكو»، في المرتبة الثالثة. وإذا تأكد هذا الترتيب رسمياً، فإنه سيكون قابلاً لأكثر من قراءة، خصوصاً أن ترتيب المرشحين في اللوائح لا ينفصل عادة عن حسابات الحظوظ الانتخابية وموازين القوى المحلية والموقع الذي يراد لكل اسم أن يشغله مستقبلاً.

 

ويضع وجود نجل الأمين العام في موقع متقدم، إن تأكد، قيادة الاتحاد الدستوري أمام سؤال سياسي يتجاوز شخص المرشح نفسه: هل نحن أمام اختيار فرضته معطيات الدائرة وكفاءة الاسم وقدرته على استقطاب الناخبين، أم أمام إعداد تدريجي لجيل جديد داخل الحزب؟

 

ولا يعني طرح هذا السؤال إصدار حكم مسبق، فالقرابة العائلية لا يمكن أن تكون، في حد ذاتها، دليلاً على غياب الاستحقاق السياسي. لكنها، عندما تقترن بموقع متقدم داخل لائحة ترتبط حساباتها بقيادة الحزب، تجعل من حق الرأي العام أن يسأل عن المعايير التي حكمت الاختيار: هل هي الكفاءة والحضور الميداني والشعبية، أم التوافقات التنظيمية والحسابات المرتبطة بما بعد الانتخابات؟ وهنا تحديداً تبدأ المسؤولية السياسية للحزب، ليس بمنع الأسئلة، وإنما بتقديم الأجوبة.

 

ويبرز، في المقابل، اسم بوشعيب قرقوري باعتباره أحد الأسماء التي تستحق التوقف عندها، إذ لا يدخل الرجل النقاش من بوابة السياسة وحدها، بل يحمل معه حضوراً في المجال الرياضي وشبكة علاقات مرتبطة بالمشهد الكروي الجهوي والوطني.

 

ويجعل هذا المعطى موقعه في اللائحة مفتوحاً بدوره على أكثر من قراءة: هل يسعى الاتحاد الدستوري إلى استثمار الرأسمال الاجتماعي والرياضي لبعض الوجوه لتعزيز امتداده الانتخابي؟ أم أن قرقوري بصدد الانتقال من فضاء الرياضة إلى بناء مسار سياسي أكثر وضوحاً؟

 

وتعكس هذه الصورة نموذجاً أصبح مألوفاً في الحياة العامة المغربية، حيث تتقاطع الرياضة والسياسة والعمل الجمعوي والمصالح المحلية، وتتحول الشعبية المكتسبة خارج المؤسسات الحزبية إلى ورقة انتخابية محتملة داخلها.

 

وتزداد الصورة تعقيداً مع اقتراب محطة 23 شتنبر، في ظل تداول قراءات بشأن إمكانية عودة الاتحاد الدستوري إلى دائرة المشاركة الحكومية، أو احتمال إسناد مسؤولية حكومية مرتبطة بقطاع الرياضة إلى محمد جودار، وما قد يترتب عن سيناريو من هذا النوع على التمثيلية البرلمانية وترتيب الأسماء. غير أن هذه الاحتمالات تظل، إلى حدود الساعة، في نطاق الفرضيات السياسية التي تحتاج إلى معطيات رسمية قبل التعامل معها باعتبارها وقائع محسومة.

 

وتفرض الممارسة الصحفية هنا الفصل بوضوح بين المعلومة والتحليل والاحتمال؛ فالصحافة لا تتوقف عند ما وقع فقط، بل تراقب المؤشرات وتربط المعطيات وتطرح الأسئلة التي يفرضها المشهد، دون أن تحول السيناريوهات المحتملة إلى حقائق.

 

ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام لائحة انتخابية صُممت فقط لخوض معركة ابن أمسيك، أم أمام هندسة سياسية أوسع يحاول من خلالها محمد جودار ترتيب مواقع وأدوار داخل الاتحاد الدستوري استعداداً لمرحلة ما بعد الانتخابات؟

 

وفي نهاية المطاف، لن تحسم الأسماء وحدها معركة ابن أمسيك، بل الناخبون. فالدائرة، بما تحمله من انتظارات اجتماعية واقتصادية، تحتاج قبل كل شيء إلى تنافس حول البرامج والحصيلة والقدرة على تمثيل السكان، بعيداً عن اختزال النقاش في الأشخاص أو الحسابات الداخلية للأحزاب.

 

وإذا أراد الاتحاد الدستوري تحويل اختياراته إلى رسالة سياسية مقنعة، فإن الشفافية تبقى المدخل الأساسي: لماذا اختيرت هذه الأسماء تحديداً؟ ماذا تمثل داخل الدائرة؟ وما القيمة السياسية والانتخابية التي يمكن أن تضيفها لسكان ابن أمسيك؟

 

وإلى أن تأتي الأجوبة الرسمية وتتكشف الأوراق بشكل أوضح، ستظل القراءات مفتوحة والسيناريوهات مجرد سيناريوهات. فالسياسة لا تكشف أوراقها كلها دفعة واحدة، والصحافة الجادة لا تدّعي معرفة ما يجري خلف الستار، لكنها تراقب المؤشرات، تربط المعطيات، وتطرح الأسئلة التي تستحق أن تُطرح.

 

ونحن نقرأ المشهد… أما ما ستكشفه صناديق الاقتراع وما بعدها، فالله أعلم.